
خلف القضبان: منظومة متكاملة من الانتهاكات بحق الأسرى الفلسطينيين
29/08/2026 – مؤسسة الاتحاد من أجل العدالة
تواصل سلطات الاحتلال الإسرائيلي فرض سياسات وإجراءات قمعية بحق الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين في سجونها ومراكز احتجازها، في ظل تقارير وإفادات حقوقية متكررة تتحدث عن ظروف احتجاز قاسية وانتهاكات تمسّ الكرامة الإنسانية والسلامة الجسدية والنفسية، وتثير مخاوف جدية بشأن مدى التزام سلطات الاحتلال بقواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، ولا سيما الالتزامات المتعلقة بمعاملة الأشخاص المحميين والمحتجزين.
وبحسب إفادات حقوقية، يعاني الأسرى من ظروف احتجاز صعبة تشمل الاكتظاظ، وسوء التهوية، وتردي مستوى النظافة، ونقص الملابس ومواد النظافة الشخصية، وتقليص كميات ونوعية الطعام، والحد من الحركة والخروج إلى الساحات لفترات طويلة، إلى جانب فرض قيود مشددة على العديد من الاحتياجات الأساسية. وتزداد خطورة هذه الظروف عندما تُفرض بصورة جماعية ودون مراعاة كافية للحالة الصحية والإنسانية لكل محتجز.
وتشير إفادات وشهادات حقوقية إلى استمرار ممارسات قاسية أثناء الاحتجاز والتحقيق والنقل، من بينها الضرب، والحرمان من النوم، والتهديد والإذلال، والعزل، واستخدام القوة المفرطة، إلى جانب مزاعم بشأن استخدام وسائل تعذيب جسدي، بما في ذلك الضغط الشديد على الأصابع باستخدام أدوات معدنية. وتمثل مثل هذه الممارسات، إذا ثبتت، انتهاكًا للحظر المطلق للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.
وفي السياق ذاته، تتفاقم المخاوف بشأن أوضاع الأسرى المرضى، في ظل إفادات عن التأخر في تقديم العلاج والفحوصات الطبية، وصعوبة الوصول إلى الرعاية الطبية المتخصصة، وتأخر نقل بعض الحالات التي تحتاج إلى متابعة عاجلة. ويكتسب ذلك خطورة خاصة في الحالات التي يعاني فيها الأسرى من أمراض مزمنة أو إصابات سابقة أو أوضاع صحية متدهورة.
ويبرز الصحفي الفلسطيني علي سمودي مثالًا على التدهور الصحي الذي يمكن أن يترتب على ظروف الاحتجاز القاسية. فقد اعتقلته قوات الاحتلال في 29 نيسان/أبريل 2025 من منزله في مدينة جنين، ووُضع لاحقًا في الاعتقال الإداري. وخلال فترة احتجازه، تحدثت مؤسسات حقوقية عن تدهور كبير في حالته الصحية وحرمانه من بعض الأدوية والرعاية الطبية اللازمة، إلى جانب فقدان كبير في الوزن. وقد أُفرج عنه في 30 نيسان/أبريل 2026 بعد عام من الاحتجاز، وقال عقب الإفراج عنه إنه فقد نحو 60 كيلوغرامًا من وزنه، إذ انخفض وزنه من نحو 120 كيلوغرامًا إلى نحو 60 كيلوغرامًا، كما تحدث عن سوء التغذية والظروف القاسية داخل السجون.
وخلال عمليات نقل الأسرى أو إخراجهم للزيارات، تتحدث إفادات حقوقية عن ممارسات مهينة وحاطة بالكرامة، تشمل تكبيل الأيدي والأرجل، وتعصيب الأعين، وإجبار المعتقلين على السير ورؤوسهم منحنية نحو الأرض. وقد وردت هذه الإفادات بشكل خاص في شهادات نقلتها مؤسسات الأسرى بشأن أوضاع المعتقلين في معسكر جلعاد التابع لمعسكر عوفر.
وفي معسكر جلعاد المستحدث داخل سجن عوفر، أفادت هيئة شؤون الأسرى والمحررين ونادي الأسير، استنادًا إلى زيارات محامين وشهادات معتقلين، بوجود ظروف احتجاز شديدة القسوة، شملت نقص الملابس ومواد النظافة، وسوء ظروف النوم والطعام، والعزل والضرب، إضافة إلى إفادات عن استخدام الصعق الكهربائي. كما تحدثت إفادات عن تعرض بعض الأسرى للصعق بسبب أداء الصلاة أو الوقوف قرب النوافذ في محاولة لاستنشاق الهواء، وهو ما يمثل، في حال ثبوته، انتهاكًا بالغ الخطورة لحظر التعذيب ولممارسة الشعائر الدينية وحرية العبادة.
وتشمل الانتهاكات المبلغ عنها أيضًا القيود المفروضة على التواصل بين الأسرى ومحاميهم، وتأخر أو تعذر إجراء الزيارات القانونية في بعض الحالات، الأمر الذي يثير مخاوف جدية بشأن ضمانات المحاكمة العادلة وحق المحتجز في الحصول على المساعدة القانونية والوصول الفعلي إلى محاميه.
أما الأسيرات الفلسطينيات، فتواجه بعضهن ظروف احتجاز وانتهاكات ذات طبيعة خاصة، تشمل سوء التغذية، والإهمال الطبي، والحرمان من المستلزمات الصحية والشخصية، إضافة إلى إفادات عن نزع الحجاب والاعتداء والحرمان من بعض الحقوق الأساسية. وقد وثقت تقارير وشهادات حقوقية حالات تعرضت فيها أسيرات لسوء المعاملة ونزع الحجاب، فضلًا عن تقييد وصولهن إلى المستلزمات الصحية الأساسية.
وإلى جانب ذلك، يتعرض الأطفال الفلسطينيون، ولا سيما في القدس، لإجراءات احتجاز وتقييد للحركة، من بينها الحبس المنزلي الذي استُخدم على نطاق واسع بحق القاصرين. وقد ترافق هذا الإجراء في بعض الحالات مع إبعاد الطفل عن منزله وعائلته، أو إلزامه بالإقامة لدى أقارب، أو فرض المراقبة الإلكترونية بواسطة أساور تتبع حركته. وتُظهر حالات موثقة خلال عام 2025 استمرار استخدام هذه الإجراءات بحق أطفال مقدسيين، بما يفرض قيودًا شديدة على حركتهم وتعليمهم وحياتهم الأسرية.
وتكتسب هذه الممارسات أهمية خاصة في ضوء الحماية التي يوفرها القانون الدولي للأطفال المحتجزين، وضرورة مراعاة سنهم ومصلحتهم الفضلى وظروفهم النفسية والاجتماعية. كما أن اتفاقية جنيف الرابعة تنص على مراعاة النظام الخاص الواجب للصغار، وتؤكد ضرورة توفير الرعاية الصحية والغذائية المناسبة للمحتجزين.
وأكدت هيئة شؤون الأسرى والمحررين، في تقارير وإفادات متكررة، أن أوضاع الأسرى داخل السجون ومراكز الاحتجاز شهدت تدهورًا خطيرًا، مشيرة إلى استمرار إجراءات التضييق والعقاب، وتدهور مستوى التغذية، والنقص في الملابس ومواد النظافة، وتدهور الأوضاع الصحية للأسرى المرضى، فضلًا عن إفادات بشأن التعذيب وسوء المعاملة في عدد من أماكن الاحتجاز.
كما يؤكد نادي الأسير الفلسطيني أن الانتهاكات بحق الأسرى لا يمكن النظر إليها باعتبارها حالات فردية معزولة، في ظل تكرار الإفادات المتعلقة بالضرب والعزل وسوء التغذية والإهمال الطبي والإذلال والمعاملة القاسية. وتثير هذه الممارسات، إذا استمرت على هذا النحو، مخاوف جدية بشأن وجود نمط ممنهج من سوء المعاملة، وما قد يترتب عليه من مسؤوليات قانونية بموجب قواعد القانون الدولي.
وتشدد مؤسسة الاتحاد من أجل العدالة على أن حماية الأسرى والمعتقلين لا تسقط بسبب طبيعة التهم الموجهة إليهم، وأن حظر التعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة هو حظر مطلق لا يجوز الانتقاص منه. كما تدعو المؤسسة إلى ضمان وصول الأسرى إلى الرعاية الطبية اللازمة، وتمكينهم من التواصل الفعلي مع محاميهم، واحترام حقوقهم الأساسية، وفتح تحقيقات مستقلة وشفافة في جميع الادعاءات المتعلقة بالتعذيب وسوء المعاملة والإهمال الطبي، ومساءلة المسؤولين عنها وفقًا للقانون الدولي.
التكييف القانوني للانتهاكات
تشكل الممارسات المذكورة أعلاه انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني، وتخالف على وجه الخصوص:
أولًا: اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949
المادة (27): تضمن احترام كرامة الأشخاص المحميين وحمايتهم من المعاملة المهينة والحاطة بالكرامة.
المادة 32)): تحظر التعذيب والمعاملة القاسية واللاإنسانية.
المادة (76): تلزم بتوفير ظروف احتجاز إنسانية للمحتجزين.
المادة (91): تكفل حق المحتجزين في الرعاية الطبية المناسبة.
المادة (130): تعتبر التعذيب والمعاملة اللاإنسانية من المخالفات الجسيمة
ثانيًا: اتفاقية مناهضة التعذيب لعام 1984
المادة (2): تحظر التعذيب بشكل مطلق ودون أي استثناءات.
المادة (16): تحظر المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.
ثالثًا: العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية
المادة (7): حظر التعذيب والمعاملة القاسية أو المهينة.
المادة (10): معاملة جميع المحرومين من حريتهم معاملة إنسانية تحترم كرامتهم.
المادة (14): ضمان الحق في الدفاع والمحاكمة العادلة.
رابعًا: اتفاقية حقوق الطفل
المادة (3): مبدأ المصلحة الفضلى للطفل.
المادة (37): حظر احتجاز الأطفال تعسفيًا أو إخضاعهم لمعاملة قاسية أو مهينة.
خامسًا: نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية
المادة (8): تجرّم التعذيب، والمعاملة اللاإنسانية، وإلحاق المعاناة الشديدة بالأشخاص المحميين باعتبارها جرائم حرب.
بناءً عليه، فإن الانتهاكات الممنهجة بحق الأسرى والأسيرات والأطفال الفلسطينيين ترقى إلى معاملة قاسية ولاإنسانية ومهينة، وتشكل جرائم حرب تستوجب المساءلة الدولية وعدم الإفلات من العقاب.
انتهى