جبل الفريديس ضحية جديدة لسياسة تزوير المعالم والمصادرة في الضفة الغربية

8/6/2026- مؤسسة الاتحاد من أجل العدالة

قالت مؤسسة الاتحاد من أجل العدالة أن الأراضي الفلسطينية المحتلة  دخلت مرحلة جديدة وخطيرة من مراحل التطهير الثقافي والجغرافي، حيث لم يعد العدوان مقتصراً على مصادرة الأراضي لبناء المستوطنات العسكرية، بل امتد لينبش التاريخ ويزور الهوية الحضارية للأرض. وفي أحدث هذه الجرائم الممنهجة الصادرة عن مؤسسة الاتحاد من أجل العدالة بتاريخ اليوم الثالث من حزيران 2026، أعلنت ما تسمى بـ “الإدارة المدنية” التابعة لجيش الاحتلال الإسرائيلي عن قرار جائر يقضي بمصادرة نحو 320 دونمًا من الأراضي الفلسطينية المحيطة بمنطقة جبل الفريديس التاريخي شرقي محافظة بيت لحم. وجاء في الإعلان العسكري أن هذه المساحات الشاسعة سيتم نقل تبعيتها وإدارتها إلى مجلس مستوطنات “غوش عتصيون” الجاثم على أراضي المواطنين، تحت ذريعة مضللة تسوقها سلطات الاحتلال وهي تخصيص الأراضي للحفاظ على الطابع التاريخي والأثري للموقع، وتوسيع أعمال البحث والترميم والكشف عن مكتشفات لم تخضع للدراسة، إلا أن القراءة الحقيقية للمشهد تؤكد أن هذا القرار ليس إلا غطاءً قانونياً وسياسياً لتوسيع رقعة الاستيطان، وعزل القرى الفلسطينية المحيطة، وتحويل الموقع الأثري الكنعاني والتاريخي إلى حديقة توراتية استيطانية تسلب الفلسطينيين ماضيهم وحاضرهم.

ويعد جبل الفريديس، أو ما يطلق عليه الاحتلال اسم “هيروديون”، من أبرز المعالم التاريخية والأثرية في جنوب الضفة الغربية، حيث يرتفع الجبل نحو 758 متراً عن سطح البحر ويشرف بشكل كامل على القدس وبيت لحم ومنطقة الأغوار، مما يمنحه موقعاً استراتيجياً وعسكرياً فائض الأهمية تكمن في ظله الخطورة المباشرة لقرار المصادرة الأخير، إذ إن نقل إدارة هذه الدونمات لمجلس المستوطنات يعني تحويل المساحات المحيطة بالجبل من أراضٍ زراعية ورعوية يملكها المواطنون الفلسطينيون إلى مناطق نفوذ بلدي للمستوطنين، مما يمهد لبناء مرافق سياحية وفنادق وشبكات طرق تخدم المشروع الاستيطاني وتخنق التمدد الطبيعي لقرى بيت لحم الشرقية مثل زعترة وبيت تعمر وتكوع، فضلاً عن التزوير المعرفي والأثري الذي يمنح جمعيات الآثار وسلطة الحدائق الإسرائيلية الحق الحصري في إجراء الحفريات، وهو ما يُستغل عادة لطمس المعالم العربية والإسلامية والمسيحية والكنعانية للموقع، وإبراز الرواية التوراتية بشكل انتقائي وموجه لخدمة الرواية الصهيونية.

ولا ينفصل استهداف جبل الفريديس عن خطة إسرائيلية شاملة وضعت خطوطها العريضة حكومة الاحتلال للسيطرة على المواقع الأثرية والتراثية في قلب البلدات والمدن الفلسطينية بالضفة الغربية، ومن أبرز المواقع التي تعرضت ولا تزال تتعرض لعمليات تهويد ومصادرة مشابهة موقع “سبسطية” الأثري شمال نابلس، والذي يتعرض لاقتحامات عسكرية متكررة وعمليات ضغط مكثفة من مجلس المستوطنات لإتمام السيطرة على المدرج الروماني والمعالم الأثرية المحيطة به عبر رصد مئات الملايين من الشواكل بذريعة الترميم، بينما الهدف الفعلي هو عزل المنطقة الأثرية بالكامل عن البلدة الفلسطينية ومنع المواطنين من ترميم منازلهم أو استغلال أراضيهم. يضاف إلى ذلك الحرم الإبراهيمي والبلدة القديمة في الخليل الذي يعد نموذجاً صارخاً لتهويد المواقع الدينية والتاريخية عبر تقسيمه بقوة السلاح منذ مجزرة عام 1994 ومصادرة محيطه وإقامة مسارات سياحية مخصصة للمستوطنين غيرت معالمه التاريخية، وكذلك قرية “النبي صموئيل” شمال غرب القدس التي تحولت إلى سجن حقيقي لسكانها بعد مصادرة أراضيها وتحويلها إلى حديقة وطنية وتهويد مسجدها الأثري، وصولاً إلى خربة المورق وقصر الكنعانيين غرب الخليل الذي يتعرض بانتظام لاقتحامات المستوطنين و تسييج أجزاء منه لنسب معالمه الحضارية للتاريخ اليهودي وحظر دخول الفلسطينيين إليه.

ومن منظور قانوني، تشكل هذه الإجراءات انتهاكات جسيمة ومركبة ترتقي إلى مستوى جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية، وتتلخص القوانين والمواثيق الدولية التي تجرم هذه الممارسات في اتفاقية لاهاي لعام 1954 الخاصة بحماية الممتلكات الثقافية في حالة نزاع مسلح وبروتوكولاتها، والتي تحظر أي تدمير أو تشويه أو تغيير لمعالم الممتلكات الثقافية والتاريخية في الأراضي المحتلة، وتلزم القوة القائمة بالاحتلال بعدم القيام بأي حفريات أثرية إلا إذا كان ذلك ضرورياً لحماية الآثار نفسها، وحظر أي تغيير في الطابع الثقافي والتاريخي للموقع أو طمس هويته الأصلية. كما أن المادة 53 من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 تحظر بشكل قاطع على دولة الاحتلال تدمير الممتلكات الثقافية أو العقارية أو الخاصة إلا إذا كانت العمليات الحربية تقتضي حتماً هذا التدمير، ونظراً لأن مصادرة جبل الفريديس تتم لأغراض استيطانية وسياحية فإنها تعتبر خرقاً مباشراً لهذه المادة وتندرج تحت بند تدمير ومصادرة الممتلكات على نطاق واسع دون مبرر عسكري، بالتوازي مع اتفاقية اليونسكو لحماية التراث العالمي لعام 1972 التي تعتبر الاعتداء على التراث الثقافي لأي شعب اعتداءً على التراث الإنساني بأكمله، مؤكدة أن دولة الاحتلال بصفتها سلطة احتلال عسكري لا تملك أي سيادة قانونية على أراضي الضفة الغربية، وبالتالي فإن أي قرارات تصدرها جهاتها الإدارية أو العسكرية لنقل ملكية الأراضي أو تغيير تصنيفها لإلحاقها بالمستوطنات هي قرارات باطلة بطلاناً مطلقاً ولا ترتب أي أثر قانوني شرعي.

وتأسيساً على ما تقدم، تؤكد مؤسسة الاتحاد من أجل العدالة  ، أن الذرائع التي يسوقها الاحتلال حول الحفاظ على الآثار وترميمها في جبل الفريديس هي واجهة لتمرير مشروع الضم الزاحف واستخدام علم الآثار كأداة استعمارية لشرعنة الاستيطان، وبناءً عليه فإن المجتمع الدولي مطالب بتحرك عاجل من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) عبر إرسال لجنة تحقيق دولية للوقوف على الانتهاكات التي تطال جبل الفريديس وموقع سبسطية وإلزام الاحتلال بوقف الحفريات غير القانونية، ودعوة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية لتضمين ملف سرقة وتزوير المواقع الأثرية والتراثية الفلسطينية كجزء أساسي من التحقيقات الجارية في جرائم الاستيطان والتهجير القسري بالضفة الغربية، بالتوازي مع مساندة أصحاب الأراضي والمجالس البلدية في بيت لحم لإعداد ملفات الملكية والخرائط المساحية لتقديم اعتراضات قانونية فورية لإفشال هذا المخطط ومحاصرة مفاعيله قبل سريانها.

انتهى

Skip to content