
2026/04/21- مؤسسة الاتحاد من أجل العدالة
تعد سياسة الحواجز العسكرية الإسرائيلية الأداة الأبرز في تفتيت الجغرافيا الفلسطينية وتحويل الضفة الغربية إلى معازل وسجون مفتوحة، حيث يناهز عدد هذه العوائق والبوابات الـ 900 حاجز. ومن بين هذا العدد الهائل، يبرز حاجز “الكونتينر” كأحد أسوأ الحواجز العسكرية وأكثرها محورية من الناحية الجيوسياسية، إذ يجثم منذ العام 2002 على قمة جبل من جبال وادي النار شرق مدينة بيت لحم. تكمن خطورة هذا الحاجز في كونه المنفذ الوحيد الذي يربط جنوب الضفة الغربية (محافظتي الخليل وبيت لحم) بوسطها وشمالها، مما يجعله “عنق الزجاجة” الذي يتحكم في مصير أكثر من مليون و100 ألف نسمة. تهدف هذه الدراسة إلى تحليل تحول هذا الحاجز من طريق وعر إلى أداة قمعية ممنهجة، مستعرضة آثاره الاجتماعية والنفسية والاقتصادية، لا سيما في ظل التصعيد الذي أعقب أحداث السابع من أكتوبر 2023.
الجذور التاريخية: من مسار الدواب إلى شريان قسري
لم يكن طريق “وادي النار” في التسعينيات سوى مسلك وعر وضيق لا ترتاده سوى الدواب، حيث كان الفلسطينيون يعبرون بحرية نحو القدس ومنها إلى كافة المحافظات عبر باب العامود. ومع اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000، شرع الاحتلال في إغلاق طريق القدس تماماً، مما دفع المواطنين قسراً نحو شق طريقهم عبر الجبال الوعرة بالسيارات بصعوبة بالغة. في تلك الحقبة، استثمر أحد مواطني بلدة السواحرة في المنطقة بفتح “كشك” داخل حاوية بضائع (كونتينر) لتقديم القهوة والاستراحة للمسافرين المنهكين. ومن هنا اشتق الحاجز اسمه الشعبي الذي تكرس في الوعي الفلسطيني، رغم أن الاحتلال لم يكن قد أقام نقطته العسكرية الثابتة بعد. ومع اشتداد عملية “السور الواقي” عام 2002، طرد الاحتلال صاحب الكشك وحول المكان إلى نقطة تفتيش “طيارة” سرعان ما استقالت لتصبح حاجزاً ثابتاً يتحكم في حركة المشاة والمركبات.
شهدت بنية الحاجز تطوراً تقنياً وعسكرياً متسارعاً؛ فبعد أن بدأ بمكعبات إسمنتية بسيطة، استحال اليوم إلى منشأة تشبه المعابر الحدودية في تصميمها وإجراءاتها الأمنية. زُوّد الحاجز بتكنولوجيا مراقبة عالية، تشمل كاميرات وأنظمة إغلاق أرضية وبوابات حديدية وإشارات مرور. ويعد التحديث الأخير المتمثل في نصب بوابات حديدية طرفية تمكن الاحتلال من عزل الجنوب تماماً دون الحاجة لوجود جنود في الميدان، تطوراً خطيراً في استراتيجية التحكم عن بُعد. إن هذا التصميم الهندسي، الذي يقع على بداية منحدر شديد الانحراف، يجعل من الحاجز حصناً منيعاً للجنود ومصيدة للمواطنين، حيث يتحصن الجنود في “دشم” عسكرية تمنع أي تماس مباشر، مما يجعل إمكانية تنفيذ أي عمليات فدائية عليه شبه مستحيلة.
“شعوب ما وراء الكونتينر”: السوسيولوجيا والهوية الجماعية
أنتج وجود الحاجز ثقافة جماعية ووعياً مكانياً خاصاً، تمثل في بروز مصطلح “شعوب ما وراء الكونتينر” . هذا المصطلح، رغم طابعه الساخر الذي ينم عن “كوميديا سوداء”، يعبر عن واقع الانفصال الذي فرضه الحاجز، حيث بات سكان الخليل وبيت لحم يشعرون بأنهم يعيشون في عالم منفصل تـأثرت به عاداتهم وثقافتهم وارتبطت به صفاتهم. لقد أصبح الحاجز فاصلاً بين الحيز الخاص للجنوب والحيز العام لبقية الأراضي الفلسطينية؛ فبمجرد إغلاقه، تُعزل مدن الجنوب كلياً عن مراكز السلطة الإدارية والأمنية في رام الله . وفي هذا السياق، لم تعد المسافة تُقاس بالكيلومترات، بل بـ “حظ” المسافر وتوقيت تبديل ورديات الجنود أو طبيعة التدقيق في الهويات، مما يجعل الزمن الفلسطيني رهينة لإجراءات الاحتلال المزاجية.
الذاكرة الشخصية: بين المغامرة الخطرة والمعاناة اليومية
يشكل الحاجز جزءاً أصيلاً من ذاكرة الشباب والطلبة الجامعيين، حيث لا يكاد طالب من الجنوب يدرس في جامعات الوسط إلا ولديه قصة معاناة شخصية مع “الكونتينر”. يروي المواطنون قصصاً تشبه أفلام المغامرات عن محاولات الالتفاف حول الحاجز عبر تسلق جبال شديدة الانحدار في أوقات الإغلاق التام. تبرز هنا قصة الطالبة سناء محمد التي اضطرت لتسلق جبل شاهق بحذاء ذي كعب عالٍ تحت أنظار الجنود لتصل لجامعتها، معتبرة أن مخاطر السقوط كانت أهون عليها من مواجهة إجراءات الحاجز المهينة. كما تضطر سيارات المواطنين أحياناً لسلوك طرق غير معبدة تمر عبر سيول المياه العادمة لتجاوز الإغلاق، وهو ما يعكس حالة من “التعايش القسري” مع واقع مرير.
الحاجز كمحطة للتنكيل والقتل الممنهج تحول “الكونتينر” من نقطة تفتيش إلى ساحة للإذلال المتعمد ومصيدة للاعتقال والقتل. يوثق السائقون شهادات مؤلمة عن جنود يجبرونهم على التوقف لساعات دون سبب، أو يتحدونهم بأخذ مفاتيح سياراتهم الموضوعة فوق السقف تحت تهديد السلاح. ولم تتوقف المعاناة عند الإذلال النفسي، بل امتدت لتزهق الأرواح؛ ففي عام 2013، فارقت الطفلة نور عطية الحياة نتيجة عرقلة وصولها للمشفى بسبب أزمة الحاجز واختناقه المروري. علاوة على ذلك، شهد الحاجز حالات “إعدام ميداني” بذرائع واهية، مثل قضية الشهيد أنس الأطرش الذي أُعدم أمام شقيقه، والشهيد أحمد عريقات الذي قُتل في يوم زفاف شقيقته بزعم محاولة دهس لا تتسق مع ظروف حياته في تلك اللحظة.

التصعيد بعد السابع من أكتوبر: مأساة القمع
بعد السابع من أكتوبر 2023، دخلت المعاناة على حاجز الكونتينر مرحلة أكثر قسوة، حيث تضاعفت وتيرة الإغلاقات الكلية والانتهاكات اليومية . اضطر العديد من المواطنين إلى إلغاء مواعيدهم أو الاستقرار المؤقت في رام الله لتجنب طوابير الذل، مما ألحق أضراراً اقتصادية جسيمة بقطاع المواصلات . لم يعد أحد ينجو من الانتهاكات؛ فالصحفية مجد اطميزه تعرضت للتنكيل والضرب وتمزيق حجابها واقتلاع قلادة تحمل خارطة فلسطين من صدرها لمجرد أن كاميرات المراقبة رصدتها . كما تعرضت المواطنة الأمريكية هالة سليمان وأبناؤها لتهديد السلاح والضرب رغم جنسيتها، مما يؤكد أن الحاجز لا يستثني أحداً من سياسته القمعية . هذه الحوادث تركت آثاراً نفسية عميقة، دفعت البعض، مثل مجد، إلى الاعتذار عن الفرص المهنية والتدريبية خلف الحاجز خوفاً من تكرار تجربة الهستيريا والبكاء التي أصابتها.
الفاصل والواصل في الختام، لا يمكن اختزال حاجز الكونتينر في كونه عائقاً مادياً فحسب، بل هو أداة لإعادة تشكيل الوعي والمجال العام الفلسطيني. وكما وصفه عزمي بشارة، فإنه “الفاصل وهو الواصل بين العالمين، هو الحدود وهو المعبر وهو الألم وهو الأمل بالخروج”. إن تحول هذا الطريق من ممر بسيط إلى منشأة عسكرية متطورة يعكس استراتيجية الاحتلال في عزل الجنوب وخلق واقع اجتماعي ونفسي مشوه لدى “شعوب ما وراء الكونتينر”. يبقى هذا الحاجز شاهداً على سياسة الإذلال الممنهج، ومحطة تذكير يومية للفلسطيني بأن حريته في التنقل والحياة مرهونة بمزاج جندي يقف خلف بوابة حديدية صماء.
انتهى