جرحٌ واحد ونكبةٌ مستمرة: 78 عاماً بين دير ياسين ودمار غزة

جرحٌ واحد ونكبةٌ مستمرة: 78 عاماً بين دير ياسين ودمار غزة

2026/04/10  الاتحاد من أجل العدالة

على مدار ثمانية وسبعين عاماً، لم يكن الزمن في فلسطين مجرد أرقام تُطوى أو تقاويم تُعلق على الجدران، بل كان نهراً من الدماء يتدفق من جرح إلى جرح، ومن قرية إلى مدينة. حين نستحضر اليوم ذكرى مجزرة دير ياسين، نحن لا ننبش في دفاتر التاريخ المنسية، بل نقرأ الواقع الذي نعيشه لحظة بلحظة في قطاع غزة والضفة الغربية. إن الصورة التي تنقلها لنا الذاكرة عن تلك القرية الوادعة غربي القدس في نيسان من عام 1948، هي ذاتها الصورة التي تنقلها شاشات التلفزة اليوم من أزقة جباليا وحي الزيتون وخان يونس.

في دير ياسين، كانت البداية؛ حيث استيقظ الناس على كابوس لم يتخيله عقل بشري، حين اقتحمت عصابات “الأرغون” و”شتيرن” وبغطاء من “الهاغاناه” بيوت الآمنين، فكان القتل عشوائياً والتمثيل بالجثث سياسة ممنهجة لزرع الرعب. سقط في تلك الليلة مئات الشهداء، وكان الهدف واضحاً: ليس مجرد السيطرة على الأرض، بل دفع الفلسطيني إلى الرحيل الأبدي تحت وطأة الخوف. لكن هذا المخطط الذي بدأ قبل عقود لم ينتهِ بانتهاء المجزرة، بل تحول إلى عقيدة عسكرية ثابتة نراها اليوم تتجلى في أبشع صورها داخل قطاع غزة.

إن المقاربة بين دير ياسين وغزة اليوم تكشف لنا أن “العقيدة الصهيونية” هي عقيدة قائمة على الإبادة المكانية والبشرية. فإذا كانت دير ياسين قد شهدت سقوط مئات الشهداء في ليلة واحدة، فإن غزة اليوم تشهد “دير ياسين” متكررة في كل ساعة. الأرقام في غزة لم تعد مجرد إحصائيات، بل هي صرخات لآلاف الأطفال والنساء الذين استُهدفوا بذات العقلية التي استهدفت أهل دير ياسين. الاحتلال في غزة لا يحارب جيوشاً فحسب، بل يحارب الوجود الفلسطيني بأسره؛ يقصف المستشفيات كما قصف في الماضي المدارس والبيوت، ويقطع الماء والغذاء كما حاصر القرى في الأربعينيات. إن ما يربط بين التاريخ والحاضر هو أن القاتل لم يتغير، والأدوات وإن تطورت من الرصاصة اليدوية إلى القنبلة الذكية، إلا أن الهدف لا يزال واحداً: محو الإنسان من أرضه. إننا نعيش في زمن أصبحت فيه غزة هي المختبر الكبير لهذه الجرائم، حيث تُمارس الإبادة الجماعية أمام مرأى العالم الذي يدعي التحضر، تماماً كما وقف العالم صامتاً أمام دماء دير ياسين التي صبغت جبال القدس باللون الأحمر.

وعندما نتأمل في المسار الزمني بين الذكرى والواقع، نجد أن فلسفة الاحتلال في ارتكاب المجازر تعتمد على كسر الروح المعنوية للشعب. في عام 1948، كان المجرمون يطوفون بالناجين من دير ياسين في شوارع القدس لإذلالهم، واليوم نرى الصور ذاتها تتكرر مع المعتقلين في غزة الذين يُجردون من ملابسهم ويُعرضون في ظروف مهينة. هذا التماثل في السلوك الإجرامي يؤكد أن ما يحدث اليوم ليس رد فعل عابر، بل هو استكمال لمشروع بدأ منذ النكبة ولم يتوقف يوماً.

الاحتلال الذي ارتكب مجازر في لبنان وفي الضفة والآن في غزة، يثبت للعالم أنه كيان يتغذى على الدم ولا يستطيع العيش بدون خلق مآسي جديدة. لكن ما يغيب عن حسابات هذا المحتل هو أن الشعب الذي لم ينسَ دير ياسين بعد كل هذه العقود، لن ينسى غزة، وأن الدماء التي تُسفك اليوم هي التي تُعبد الطريق نحو العودة والحرية. إن كل شهيد سقط في غزة هو امتداد لشهداء دير ياسين، وكل صرخة طفل في الشمال هي صدى لصرخات أطفال القدس في الثمانية وأربعين.

تؤكّد مؤسسة الاتحاد من اجل العدالة ان استمرار هذه السلسلة من الجرائم يضع الرواية الصهيونية في مأزق أخلاقي وتاريخي، فالمجزرة التي أرادوا منها إنهاء الحكاية الفلسطينية، أصبحت هي الوقود الذي يشعل الثورة في نفوس الأجيال الجديدة. لم تنجح دير ياسين في كسر إرادة البقاء، ولن تنجح غزة في فرض الاستسلام، لأن الحق في الأرض لا يسقط بالتقادم ولا يمحوه القصف مهما بلغت شدته. إن الوفاء لشهداء دير ياسين اليوم يتجسد في الصمود الأسطوري الذي يبديه الغزيون، الذين يواجهون بصدورهم العارية أعتى آلات الدمار، مؤكدين أن الجغرافيا قد تتغير، لكن التاريخ الفلسطيني يُكتب بمداد من الكرامة لا يقبل الانكسار.

وفقاً للمتابعة القانونية التي تجريها مؤسسة الاتحاد من أجل العدالة، وبالنظر إلى أحكام القانون الدولي، فإن ما ترتكبه إسرائيل في فلسطين بشكل عام، وفي غزة بشكل خاص، يمثل خرقاً صارخاً لكافة المواثيق والعهود الدولية. إن القانون الدولي الإنساني، وتحديداً اتفاقية جنيف الرابعة، صممت لحماية المدنيين تحت الاحتلال، وهو ما تنتهكه إسرائيل يومياً عبر سياسة العقاب الجماعي، واستهداف الأعيان المدنية، والتهجير القسري. من الناحية القانونية الصرفة، توصف أفعال الاحتلال في غزة بأنها “إبادة جماعية”، وفقاً للمادة الثانية من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948، حيث تتوافر أركان القتل العمد، وإلحاق ضرر جسدي وعقلي جسيم، وفرض أحوال معيشية تهدف إلى التدمير المادي للمجموعة. كما أن الاستيطان في الضفة الغربية وتغيير المعالم الديموغرافية للقدس يُصنف قانونياً كـ “جرائم حرب” و”جرائم ضد الإنسانية”، تقع ضمن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية.

إن الوضع القانوني لفلسطين يؤكد أنها أرض محتلة، وأن للشعب الفلسطيني الحق القانوني في تقرير المصير ومقاومة الاحتلال، بينما تفتقر إسرائيل لأي مسوغ قانوني يبرر استمرار حصارها أو ضمها للأراضي بالقوة، مما يجعل المساءلة الدولية مطلباً لا غنى عنه لإنهاء هذه الحقبة من الإفلات من العقاب. ستبقى العدالة القانونية، رغم تعثرها في أروقة السياسة، هي السلاح الذي يلاحق المجرمين من قادة العصابات في 1948 إلى جنرالات القتل في وقتنا الراهن.

انتهى

Skip to content