
الاحتلال يشرّد 45 فرداً من عائلة واحدة جنوب الخليل في أول أيام رمضان
20/2/2026- مؤسسة الاتحاد من أجل العدالة
لم يكن فجر اليوم الأول من شهر رمضان في منطقة قَلِقس جنوب الخليل فجرًا عاديًا. لم يكن صوت الأذان هو أول ما طرق مسامع العائلة، بل هدير الجرافات الثقيلة وأصوات الآليات العسكرية وهي تقترب ببطء، كأنها تحمل معها قرارًا قاسيًا لا رجعة فيه. في شهر يفترض أن يحمل السكينة، بدأ النهار بالخوف والارتباك والركض بين الجدران بحثًا عن أمان لن يأتي.
المنزل المستهدف، المؤلف من عشر شقق سكنية، لم يكن مجرد بناء من الإسمنت والحجارة؛ كان عالمًا صغيرًا يحتضن أحلام 45 فردًا من عائلة سلهب، يجمعهم سقف واحد وذاكرة واحدة. كان الأطفال قد بدأوا العدّ لأيام رمضان، وبعضهم جهّز فانوسه الصغير، فيما كانت الأمهات يفكرن في أول وجبة إفطار. لكن كل تلك التفاصيل البسيطة تلاشت أمام مشهد الجنود وهم يحيطون بالبناية ويأمرون بالإخلاء الفوري.
لم تُمنح العائلة وقتًا كافيًا لحمل ملابسها، ولا لجمع أوراقها الثبوتية، ولا حتى لالتقاط صورها المعلقة على الجدران. سادت حالة من الذهول، واختلطت أصوات النساء بالبكاء وصراخ الأطفال، فيما كان الرجال يحاولون التوسل لمنحهم دقائق إضافية لإخراج ما تبقى من أثاثهم.

في زاوية المشهد، اندفع بعض الأطفال نحو مدخل البناية، أرادوا فقط استعادة حقائبهم المدرسية، دفاترهم، كتبهم التي تحمل أسماءهم وأحلامهم الصغيرة. أحدهم كان يمسك بحقيبته بقوة وكأنها آخر ما يربطه بمدرسته وأصدقائه. إلا أن أحد الجنود منعه، وانتزع الحقيبة من يده وألقاها إلى داخل الشقة، قبل أن تبدأ الجرافة بضرب الجدران. لحظات قليلة، وانهارت الطبقات فوق بعضها، لتُدفن الحقيبة تحت الركام، في صورة مؤلمة جسّدت استهدافًا يتجاوز الحجر إلى المعنى، ويطال حتى حق الأطفال في التعليم والاستقرار.
تساقطت الجدران تباعًا، ومع كل ضربة كانت تتساقط معها سنوات من التعب والادخار، وذكريات مناسبات عائلية، وصور زفاف، وأصوات ضحكات كانت تملأ الممرات. تحولت البناية خلال وقت قصير إلى غبار كثيف يغطي الوجوه والملابس، بينما وقف أصحابها على مسافة قصيره، يشاهدون تفاصيل حياتهم تنهار أمام أعينهم دون قدرة على التدخل.
مع انتهاء الهدم، لم يبقَ سوى ركام بارد وأمتعة متناثرة. جلس بعض الأطفال على الأرض قرب الحجارة المكسورة، يبحثون بين القطع الصغيرة لعلهم يجدون دفتراً سليمًا أو لعبة لم تتحطم. أما الأمهات فوقفن مذهولات، يحاولن احتضان صغارهن وتهدئتهم، بينما السؤال الأكبر يثقل القلوب: أين سنبيت الليلة؟
في أول يوم من رمضان، وجدت 45 نفسًا نفسها في العراء، بلا مأوى، بلا خصوصية، وبلا يقين لما سيأتي بعد ذلك. ومع ذلك، ورغم الألم والخذلان، تؤكد العائلات تمسكها بأرضها، وإصرارها على البقاء، معتبرة أن البيت يمكن أن يُهدم، لكن الانتماء لا يُقتلع، وأن الجرافات مهما اشتدت لا تستطيع محو الحق أو كسر.
انتهى