
22/9/2025-مؤسسة الاتحاد من أجل العدالة
منذ سنوات طويلة والاحتلال الإسرائيلي يبتكر أدوات جديدة للسيطرة على حياة الفلسطينيين اليومية في مختلف مدن وقرى الضفة الغربية. وإذا كانت الحواجز العسكرية المكشوفة قد تحولت إلى عنوان بارز لسياسة القمع والتقييد، فإن البوابات الحديدية التي يزرعها الاحتلال على مداخل القرى والبلدات تشكّل اليوم شكلاً آخر من أشكال الحصار الصامت، الذي لا يقل خطورة عن الجدار الفاصل أو الحواجز الدائمة.

تقوم قوات الاحتلال بنصب بوابات حديدية ضخمة عند المداخل الرئيسية والفرعية لعشرات القرى والبلدات الفلسطينية. هذه البوابات تبدو للوهلة الأولى “بنية تحتية عادية”، لكنها في الواقع تُدار عن بعد من قبل الجيش، بحيث يمكن إغلاقها في أي وقت، ودون إنذار مسبق، لتحويل القرى الفلسطينية إلى سجون صغيرة.
فالقرية التي لا تملك سوى مدخل واحد تصبح رهينة قرار جندي يفتح البوابة أو يغلقها، وبذلك يُعطَّل وصول الناس إلى أعمالهم ومدارسهم ومشافيهم، وتُخنق الحياة الاقتصادية والاجتماعية في لحظة واحدة.
يصعب تحديد عدد هذه البوابات بدقة، لأن الاحتلال يستمر في نصب المزيد منها بشكل متدرج وصامت. لكن ما هو مؤكد أن عشرات البلدات في محافظات الخليل وبيت لحم ونابلس وجنين ورام الله تحولت إلى جزر معزولة بفعل هذه البوابات. ففي كل مرة يُغلق الاحتلال بوابة، يضطر السكان إلى سلوك طرق وعرة وطويلة، بعضها غير مؤهل لعبور السيارات أو الطوارئ.
ومع أن الأرقام قد تختلف من تقرير لآخر، إلا أن التجربة الميدانية للسكان كافية لتبيان حجم المعاناة التي تفرضها هذه الأداة “البسيطة” ظاهريًا.
معاناة إنسانية يومية الطلبة يتأخرون عن مدارسهم أو يُجبرون على العودة من منتصف الطريق المرضى قد يعلقون خلف بوابة مغلقة بينما حياتهم مهددة المزارعون يُمنعون من الوصول إلى أراضيهم في مواسم الزيتون أو الحصاد الاقتصاد المحلي يتضرر بفعل صعوبة إدخال البضائع وخروجها.
هذه التفاصيل الصغيرة تشكل مع مرور الوقت حياةً محاصرة بالكامل، حيث يشعر الفلسطيني أن قريته لم تعد مرتبطة بالعالم الخارجي إلا عبر قرار احتلالي.
البوابات بين القانون الدولي والواقع الميداني من الناحية القانونية، يُعتبر إغلاق القرى والبلدات الفلسطينية بهذه الطريقة شكلاً من أشكال العقاب الجماعي، وهو محظور بشكل صريح في اتفاقيات جنيف الرابعة. فحرية التنقل حق أساسي يكفله القانون الدولي الإنساني، وأي قيود جماعية تُفرض على المدنيين تُعد انتهاكًا صارخًا.
لكن في الواقع، لم يُحاسَب الاحتلال على هذه السياسة، ما شجّعه على توسيعها وتحويلها إلى أداة قمع يومية، تُمارَس بهدوء بعيدًا عن الأضواء الإعلامية.
قد لا تحظى البوابات الحديدية بالاهتمام الإعلامي الذي يلقاه الجدار الفاصل أو المستوطنات، لكنها بالنسبة للفلسطينيين جدار آخر يطوّق حياتهم من الداخل. هي “السجن المفتوح” الذي يتحكم فيه الاحتلال بضغطة زر، ويترك خلفه حياةً معلّقة على قرار جندي.
ومن هنا فإن مواجهة هذه السياسة لا تقتصر على رصد أعداد البوابات أو مواقعها، بل تتطلب فضح آثارها الإنسانية والقانونية، والعمل على جعلها جزءًا من ملف الانتهاكات التي يجب أن تُطرح أمام المؤسسات الحقوقية والدولية، بوصفها دليلاً إضافيًا على أن الفلسطيني ما زال يعيش في واقع الاحتلال بكل تفاصيله اليومية.
انتهى