
18\05\2026- مؤسسة الاتحاد من أجل العدالة
تمر الذكرى الثامنة والسبعين للنكبة الفلسطينية في عام 2026، والقضية لا تزال حية بوجعها، متقدمة بأرقامها التي لا تقبل التأويل. إن قصة فلسطين منذ عام 1948 وحتى اليوم هي قصة صراع بين ذاكرة عصية على النسيان وآلة محو لا تتوقف. تبدأ المأساة من الرقم الأول: تهجير قرابة مليون فلسطيني في عام النكبة، والذين تحولوا بفعل التكاثر الطبيعي والإصرار على الهوية إلى أكثر من 7 ملايين لاجئ اليوم. هؤلاء ليسوا مجرد أسماء في سجلات “الأونروا”، بل هم ملايين البشر الموزعين بين مخيمات الشتات والداخل، يعيشون في مساحات ضيقة لا تتجاوز الكيلومترات المربعة، حيث الكثافة السكانية الأعلى في العالم، وحيث يتحول زقاق المخيم إلى شاهد يومي على جريمة اقتلاع شعب من جذوره.
أما عن ضريبة الدم، فقد قدم الشعب الفلسطيني قافلة من الشهداء لم تتوقف منذ رصاصة الثورة الأولى وحتى يومنا هذا في عام 2026. الأعداد المسجلة منذ النكبة تتجاوز مئات الآلاف من الأرواح التي ارتقت في ميادين المواجهة، وفي بيوتها تحت الأنقاض، وعلى حواجز الموت. في العقد الأخير وحده، شهدت فلسطين حروباً وإبادات جعلت من أعداد الشهداء تقفز بشكل جنوني، مع تركيز مفجع على استهداف الأطفال والنساء؛ ففي كل عدوان كبير، يسقط آلاف الشهداء من الأطفال الذين لم يبلغوا الحلم، مما يرفع نسبة الشهداء القصر إلى أرقام غير مسبوقة دولياً. هؤلاء الشهداء يتركون خلفهم جيشاً من الأيتام والأسر المكلومة، وجرحى وصل تعدادهم إلى مئات الآلاف، يعاني عشرات الآلاف منهم من بتر في الأطراف أو إصابات دماغية، مما يجعل المجتمع الفلسطيني يواجه تحدياً إنسانياً وصحياً هائلاً في رعاية الأشخاص ذوي الإعاقة الذين خلّفتهم الحروب.
وفي ملف الأسرى، نجد أن السجن أصبح جزءاً من “التعريف الشخصي” لكل فلسطيني. منذ احتلال عام 1967، سُجلت أكثر من مليون حالة اعتقال، ما يعني أن كل بيت فلسطيني تقريباً دخل أحد أفراده السجن. في عام 2026، يقبع آلاف الأسرى في ظروف لا إنسانية، موزعين على سجون ومعسكرات تفتقر لأدنى المعايير الدولية. الأرقام تتحدث عن مئات الأسرى الذين قضوا أكثر من عشرين وثلاثين عاماً خلف القضبان، وعن “مقابر الأرقام” التي لا يزال الاحتلال يحتجز فيها جثامين الشهداء، حارماً عائلاتهم حتى من حق الدفن والوداع. إن الحركة الأسيرة الفلسطينية هي اليوم عنوان العناد الوطني، حيث يواجه الأسرى المرض والجوع من خلال الأمعاء الخاوية، ويسقط منهم شهداء نتيجة الإهمال الطبي الذي طال المئات ممن دخلوا السجون أصحاء وخرجوا منها في توابيت أو بأمراض مزمنة.
أما معركة “الحجر والتراب” فترويها سياسة الهدم الممنهجة. منذ عام 1948، حين دمّر الاحتلال أكثر من 530 قرية ومسحها عن الخارطة، والماكينة لم تتوقف. في القدس المحتلة، يتم هدم المنازل بوتيرة يومية تحت ذرائع واهية، لتهجير السكان الأصليين وتغيير ديموغرافية المدينة. وفي الضفة الغربية، تُباد تجمعات رعوية كاملة وتُهدم المدارس والمراكز الصحية. أما في قطاع غزة، فقد وصل حجم الدمار في الوحدات السكنية إلى مستويات تذكر بدمار الحرب العالمية الثانية؛ حيث تم مسح أحياء سكنية كاملة عن وجه الأرض، وتشريد مئات الآلاف من المواطنين الذين فقدوا كل مدخرات حياتهم في لحظة غارة جوية. هذا التشريد الداخلي خلق مأساة “اللجوء المتكرر”، حيث يهرب الفلسطيني من خيمته إلى مدرسة إيواء، ليجد القصف يلاحقه هناك أيضاً.
إن فلسطين في ذكراها الثامنة والسبعين، ورغم كل هذه الأرقام المثقلة بالموت والخراب، تبرهن للعالم أن القوة المادية مهما بلغت لا يمكنها حسم الصراع ضد شعب يرى في كل شهيد بذرة للحرية، وفي كل بيت يُهدم دافعاً للبناء من جديد. إنها 78 عاماً من المحاولة الفاشلة لإلغاء وجود شعب يثبت اليوم في 2026 أنه الرقم الأصعب في معادلة الشرق الأوسط، وأن حقوقه في العودة، والحرية، وتقرير المصير، ليست مجرد شعارات، بل هي استحقاقات مكتوبة بالدم والتضحيات التي لا تنتهي.
تؤكد مؤسسة الاتحاد من أجل العدالة أن استمرار هذه الانتهاكات الصارخة على مدار ثمانية عقود يمثل وصمة عار في جبين العدالة الدولية. إن المؤسسة تدعو المجتمع الدولي، بكل هيئاته ومنظماته، إلى تحمّل مسؤولياته التاريخية والقانونية والأخلاقية لإنهاء هذا الاحتلال الطويل، ووقف سياسات التطهير العرقي، وضمان محاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم أمام المحاكم الدولية. إن الصمت الدولي لم يعد خياراً، والعدالة للشعب الفلسطيني هي الاختبار الحقيقي لمصداقية القانون الدولي في عالمنا اليوم.
انتهى