مقدمة
استمرار وتصاعد مقلق للانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي في الأراضي الفلسطينية المحتلة. يقدم التقرير صورة قاتمة للأحداث التي وقعت خلال هذا الشهر، سواء في قطاع غزة الذي شهد استئنافاً للحرب وما رافقه من دمار وخسائر بشرية هائلة، أو في الضفة الغربية والقدس حيث تواصلت سياسات الاستيطان والتهجير والاعتداءات. أمام هذه الوقائع، يهدف هذا المقال إلى تسليط الضوء على الإطار القانوني الدولي الذي يحكم هذه الانتهاكات، وتحديد مسؤوليات المجتمع الدولي في ضمان المساءلة وعدم إفلات مرتكبيها من العقاب.
الإطار القانوني الدولي للانتهاكات الموثقة
تندرج الانتهاكات الموثقة في تقرير مارس 2025 ضمن نطاق القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان. يشكل القانون الدولي الإنساني، وبخاصة اتفاقيات جنيف لعام 1949 وبروتوكولاتها الإضافية، الإطار الأساسي الذي ينظم سلوك الأطراف أثناء النزاعات المسلحة، ويفرض التزامات واضحة على السلطة القائمة بالاحتلال، إسرائيل، تجاه السكان المدنيين الفلسطينيين وممتلكاتهم. كما أن القانون الدولي لحقوق الإنسان يظل واجب التطبيق في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
العديد من الأفعال الموصوفة في التقرير قد ترقى إلى مستوى جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية كما هو محدد في نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، وتشمل:
- القتل العمد والهجمات العشوائية: أسفر استئناف الحرب على غزة في 18 مارس/آذار عن استشهاد 404 مواطنين في الساعات الأولى، بينهم 170 طفلاً و80 امرأة. وارتفعت الحصيلة بحلول نهاية الشهر إلى 1,163 شهيدًا و2,735 جريحًا. وفي الضفة الغربية، استشهد 19 مواطنًا، بينهم أطفال ونساء وأسرى. هذه الأفعال تنتهك مبادئ التمييز والتناسب في القانون الدولي الإنساني.
- استهداف الطواقم المحمية: يشير التقرير إلى استشهاد 1,402 من الطواقم الطبية، و111 من الدفاع المدني، و209 من الصحفيين، و409 من العاملين في مجال تقديم المساعدات، بينهم 291 من موظفي الأمم المتحدة منذ أكتوبر 2023. وفي حادثة محددة في 23 مارس/آذار، قُتل ثمانية من طاقم جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني وستة من أفراد الدفاع المدني وموظف من الأونروا. يعد استهداف هذه الفئات جريمة حرب.
- التدمير الواسع للممتلكات المدنية: تعرض 499 مبنى مدرسي للقصف المباشر في غزة ، ودُمّر أكثر من 1000 مسجد و3 كنائس، وأُخرج 34 مستشفى و80 مركزًا صحيًا عن الخدمة. وفي الضفة، هُدمت 106 منازل ومنشآت فلسطينية ، وتضررت مئات الوحدات السكنية في مخيمات الشمال. لا يمكن تبرير هذا التدمير بضرورة عسكرية، وهو يشكل انتهاكًا جسيمًا.
- التهجير القسري: دفعت أوامر الإخلاء الإسرائيلية في غزة أكثر من 280 ألف مواطن إلى النزوح. وفي شمال الضفة، أدت العمليات العسكرية المستمرة إلى تهجير عشرات الآلاف من سكان المخيمات. كما أن هدم المنازل في الضفة أدى إلى تشريد مئات الأفراد.
- الاستيطان كجريمة حرب: يشكل نقل السلطة القائمة بالاحتلال لأجزاء من سكانها المدنيين إلى الأراضي التي تحتلها جريمة حرب بموجب نظام روما الأساسي. يوثق التقرير مصادقة سلطات الاحتلال على بناء آلاف الوحدات السكنية الجديدة ، ومحاولات إقامة بؤر استيطانية جديدة ، و”شرعنة” بؤر قائمة ، وتخصيص ميزانيات ضخمة لبناء طرق استيطانية تهدف إلى ضم أجزاء واسعة من الضفة الغربية.
- تقييد المساعدات الإنسانية: منعت السلطات الإسرائيلية إدخال آلاف شاحنات المساعدات والوقود إلى غزة، وقصفت مراكز توزيع المساعدات والمخابز. إن تجويع المدنيين كأسلوب من أساليب الحرب محظور بموجب القانون الدولي.
- الاعتقال التعسفي والمعاملة اللاإنسانية: اعتقل الاحتلال 943 مواطنًا في الضفة والقدس خلال مارس/آذار، بينهم أطفال ونساء. ويشير التقرير إلى استشهاد أسير طفل داخل المعتقلات الإسرائيلية.
مسؤوليات المجتمع الدولي
أمام هذه الانتهاكات الموثقة، تقع على عاتق المجتمع الدولي، بما في ذلك الدول منفردة والمنظمات الدولية، مسؤوليات قانونية وأخلاقية واضحة:
- الالتزام باحترام وضمان احترام القانون الدولي الإنساني: بموجب المادة الأولى المشتركة لاتفاقيات جنيف، تتعهد الدول الأطراف ليس فقط باحترام الاتفاقيات ولكن أيضًا بضمان احترامها في جميع الظروف. هذا يعني أن الدول ملزمة باتخاذ إجراءات فعالة لوقف الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها.
- عدم الاعتراف بالوضع غير القانوني الناشئ عن الانتهاكات: يجب على الدول عدم الاعتراف بشرعية المستوطنات الإسرائيلية أو أي تغييرات إقليمية ناجمة عن استخدام القوة أو انتهاكات أخرى للقانون الدولي.
- التعاون لإنهاء الانتهاكات الجسيمة: يتوجب على الدول التعاون لإنهاء الانتهاكات الخطيرة للقانون الدولي، بما في ذلك جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.
- دعم آليات العدالة الدولية:
- المحكمة الجنائية الدولية (ICC): يجب على الدول الأطراف في نظام روما الأساسي تقديم الدعم الكامل للمدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية في تحقيقه الجاري بشأن الحالة في فلسطين. ويمكن للدول تقديم معلومات وأدلة، وتوفير الموارد اللازمة للمحكمة.
- محكمة العدل الدولية (ICJ): يمكن للدول الاستفادة من الآراء الاستشارية للمحكمة، ودعم تنفيذ قراراتها المتعلقة بالقضية الفلسطينية.
- آليات الأمم المتحدة: يجب دعم عمل مجلس حقوق الإنسان، والمقررين الخاصين، ولجان التحقيق التابعة للأمم المتحدة في رصد وتوثيق الانتهاكات وتقديم التوصيات.
- تفعيل مبدأ الولاية القضائية العالمية: يمكن للدول، بل يجب عليها في بعض الحالات، ملاحقة مرتكبي الجرائم الدولية الجسيمة أمام محاكمها الوطنية بموجب مبدأ الولاية القضائية العالمية، بغض النظر عن مكان ارتكاب الجريمة أو جنسية مرتكبيها أو ضحاياها.
- فرض تدابير المساءلة: يمكن للمجتمع الدولي النظر في فرض عقوبات مستهدفة على الأفراد والكيانات المسؤولة عن الانتهاكات الجسيمة، بما في ذلك المتورطين في أنشطة الاستيطان غير القانونية.
- ضمان وصول المساعدات الإنسانية: يجب على المجتمع الدولي الضغط لضمان وصول المساعدات الإنسانية بشكل كامل ودون عوائق إلى قطاع غزة وجميع المناطق المحتاجة.
- توفير الحماية للشعب الفلسطيني: تقع على عاتق المجتمع الدولي مسؤولية العمل من أجل توفير حماية فعالة للشعب الفلسطيني الواقع تحت الاحتلال، بما يتماشى مع التزامات القانون الدولي.
تحديات المساءلة
على الرغم من وضوح الإطار القانوني والمسؤوليات المترتبة عليه، تواجه جهود المساءلة تحديات كبيرة، أبرزها:
- الاعتبارات السياسية وغياب الإرادة السياسية: غالبًا ما تطغى المصالح السياسية والاقتصادية لبعض الدول على التزاماتها القانونية والأخلاقية، مما يؤدي إلى ازدواجية المعايير وتقويض جهود المساءلة.
- استخدام حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن: يعرقل استخدام حق النقض قدرة مجلس الأمن على اتخاذ إجراءات حاسمة، بما في ذلك إحالة الوضع إلى المحكمة الجنائية الدولية أو فرض عقوبات.
- عدم تعاون السلطة القائمة بالاحتلال: ترفض إسرائيل التعاون مع العديد من آليات التحقيق الدولية، مما يعيق جمع الأدلة بشكل كامل.
خاتمة
إن الانتهاكات الموثقة في شهر مارس 2025 ليست مجرد أرقام وإحصائيات، بل تمثل معاناة إنسانية واسعة النطاق وتحديًا صارخًا لأسس النظام القانوني الدولي. إن إفلات مرتكبي هذه الجرائم من العقاب يشجع على استمرارها ويقوض مصداقية العدالة الدولية.
لذلك، يتعين على المجتمع الدولي تجاوز الخطابات والتصريحات إلى اتخاذ إجراءات ملموسة وفعالة. يجب أن تشمل هذه الإجراءات دعم التحقيقات الجنائية الدولية بشكل كامل، تفعيل آليات المساءلة الوطنية والدولية، وضمان عدم الاعتراف بالواقع غير القانوني الذي تفرضه سياسات الاحتلال والاستيطان. إن مسؤولية حماية المدنيين الفلسطينيين وضمان حقوقهم الأساسية، وإنهاء الاحتلال وتحقيق سلام عادل ودائم على أساس القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، هي مسؤولية جماعية لا يمكن التملص منها.
انتهى