
27/6/2026- مؤسسة الاتحاد من أجل العدالة
قالت مؤسسة الاتحاد من أجل العدالة أن الأشهر الأولى من عام 2026 شهدت تصاعداً غير مسبوق في وتيرة مصادرة الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية، عبر شبكة معقدة من الأوامر العسكرية والإعلانات التي تحول بموجبها آلاف الدونمات من أراضي المواطنين والمشاعات إلى ما يُسمى “أراضي دولة” أو “مناطق عسكرية مغلقة”. هذا التوسع الممنهج يمثل ذروة جديدة في سياسة قضم الحيز الجغرافي الفلسطيني، وتفتيت الاتصال الإقليمي بين المحافظات، حيث تتعامل السلطات الإسرائيلية في هذه المرحلة مع الضفة الغربية بأكملها كساحة مفتوحة للاستيطان دون أي اعتبارات للتقسيمات الإدارية السابقة؛ إذ تم إسقاط الفروق التقليدية بين المناطق المصنفة “أ” و”ب” و”ج” (A, B, C) الناتجة عن الاتفاقيات السياسية. وأصبحت السياسة الحالية ترتكز على اجتياح الصلاحيات الأمنية والمدنية في قلب المدن والبلدات الخاضعة إدارياً للسيطرة الفلسطينية الكاملة، وتحويل أي بقعة جغرافية إلى هدف مباشر للاستيلاء والضم والتوسع العمراني والأمني للمستوطنات، مما يلغي تماماً أي خصوصية قانونية كانت تتمتع بها تلك المناطق.
وعند النظر في التوزيع الجغرافي وحجم الدونمات المصادرة منذ بداية هذا العام، نجد أن محافظة أريحا والأغوار حظيت بالخيارات الأوسع والأكثر خطورة في مخططات المصادرة، حيث أعلنت السلطات الإسرائيلية عن تحويل أكثر من 11,000 دونم في منطقة العوجا والمناطق المحيطة بها إلى أراضي دولة، مما يجعلها الإعلان الأكبر دفعة واحدة منذ عقود، والهدف الأساسي هو تأمين السيطرة المطلقة على شريط الأغوار وعزل الضفة الغربية عن الحدود الشرقية بالكامل. وتلتها محافظة نابلس، وتحديداً القرى الجنوبية والشرقية مثل عقربا، وبيتا، ومجدل بني فاضل، وقريوت، حيث التهمت الأوامر العسكرية ما يقارب 3,500 دونم بذريعة “أغراض عسكرية مستعجلة” وتوسيع نفوذ المستوطنات المحيطة مثل “إيلي” و”شيلو” و”إيتمار”، مما أدى إلى حرمان المزارعين من الوصول إلى حقول الزيتون الحيوية التي تشكل مصدر رزقهم الأساسي.
ولم تكن محافظات وسط وجنوب الضفة الغربية بمعزل عن هذه الهجمة؛ ففي محافظة رام الله والبيرة، تركزت المصادرات في أراضي قريتي نعلين ودير قديس، بالإضافة إلى مناطق شاسعة تحيط بمستوطنة “بيت إيل” وشمال المحافظة، وبلغت المساحات المستهدفة هناك نحو 2,200 دونم جرى تخصيص أجزاء واسعة منها لشق طرق استيطانية بديلة وأحزمة أمنية. أما في محافظة بيت لحم، فقد جرت مصادرة نحو 1,700 دونم من أراضي الخضر، وبتير، ونحالين، بهدف استكمال مخطط القدس الكبرى وربط مجمع “غوش عتصيون” الاستيطاني بالقدس، وهو ما هدد بشكل مباشر المواقع المسجلة على قائمة التراث العالمي. وفي محافظة الخليل، تركزت العمليات في مسافر يطا وشرق المدينة، حيث تم السيطرة على ما يزيد عن 1,900 دونم تحت غطاء الأوامر العسكرية المباشرة لتوسيع البؤر الرعوية والمناطق الأمنية المحيطة بالمستوطنات الجاثمة على أراضي المواطنين.

وامتدت هذه السياسة الشاملة لتطال أقصى شمال الضفة الغربية في محافظة جنين، حيث تم إصدار أوامر مصادرة استهدفت سبعة دونمات من الأراضي الحيوية المتاخمة للمدينة ومحيطها؛ وعلى الرغم من رمزية المساحة مقارنة ببعض المناطق الأخرى، إلا أن خطورتها تكمن في موقعها الاستراتيجي الذي يُستخدم لتعزيز التواجد العسكري، وخنق المداخل الرئيسية للمحافظة، وفرض حزام أمني يعيق الحركة التجارية والتمدد العمراني الطبيعي لأهالي المنطقة، وهو نموذج حي لعدم التفريق بين تصنيفات الأراضي حيث يجري استهداف أراضي جنين رغم خصوصيتها الأمنية والمدنية السابقة.
وفيما يتعلق بالمناطق العسكرية المغلقة، فقد جرى تفعيل هذه الأداة القانونية والعسكرية بشكل مكثف منذ مطلع العام لمنع الوجود الفلسطيني في المناطق المستهدفة بالمصادرة؛ إذ صدرت أوامر عسكرية قضت بتحويل ما يربو على 8,500 دونم في منطقة سفح جبال الخليل الجنوبية والأغوار الشمالية إلى “مناطق إطلاق نار” ومناطق تدريب عسكري مغلقة، ويترتب على هذه الأوامر طرد التجمعات البدوية والرعوية وحظر أي نشاط زراعي أو إنشائي فيها. كما طالت هذه الأوامر محيط جدار الفصل العنصري والمناطق المتاخمة للمستوطنات الكبرى، حيث تم تحويل مئات الدونمات في محيط سلفيت وطولكرم وقلقيلية إلى مناطق عسكرية مغلقة يُمنع أصحابها من دخولها إلا بتصاريح خاصة ونادرة، مما يمهد الطريق قانونياً لإلحاقها لاحقاً بالمستوطنات بعد إثبات “عدم فلاحتها” لفترات طويلة بسبب المنع العسكري الممنهج.
تؤكد مؤسسة الاتحاد من أجل العدالة أن هذه الممارسات تشكل انتهاكاً صارخاً وصريحاً للمادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة، التي تحظر على القوة القائمة بالاحتلال نقل أجزاء من سكانها المدنيين إلى الأراضي التي تحتلها، كما تخالف المادة 53 من الاتفاقية ذاتها التي تمنع تدمير الممتلكات العقارية الخاصة أو العامة إلا إذا كانت العمليات الحربية تقتضي حتماً هذا التدمير. إن تحويل آلاف الدونمات إلى “أراضي دولة” وتخصيصها للاستيطان والمنشآت العسكرية يمثل خرقاً لمبدأ “عدم الجواز القانوني لضم الأراضي بالقوة”، ويتجاوز الصلاحيات المؤقتة الممنوحة للاحتلال الحربي بموجب أنظمة لاهاي لعام 1907، والتي تلزم القوة المحتلة بالحفاظ على الوضع القائم وإدارة الأملاك العامة كـ “منتفع” فقط دون تغيير طبيعتها الجغرافية أو الديموغرافية، مما يجعل هذه المصادرات واسعة النطاق ترتقي إلى مستوى “جرائم الحرب” وفقاً لنظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
بناءً على هذا التدهور القانوني والإنساني الخطير، فإن مؤسسة الاتحاد من أجل العدالة توجه نداءً عاجلاً إلى المجتمع الدولي، والأمم المتحدة، والأطراف السامية المتعاقدة على اتفاقيات جنيف، بضرورة الانتقال من مربعات الإدانة والاستنكار اللفظي إلى اتخاذ إجراءات عملية رادعة تلزم القوة القائمة بالاحتلال بوقف هذه المخططات فوراً. وندعو المجتمع الدولي إلى تفعيل أدوات المحاسبة الدولية عبر دعم التحقيقات الجارية في المحكمة الجنائية الدولية، وفرض عقوبات اقتصادية ودبلوماسية على المنظومات والشركات الإسرائيلية التي تساهم في تمويل وتوسيع الاستيطان، ووقف استيراد بضائع المستوطنات المقامة على الأراضي المصادرة. كما تطالب المؤسسة الهيئات الدولية بالعمل المشترك لفرض حماية دولية عاجلة للشعب الفلسطيني وممتلكاته، وإلزام القوة القائمة بالاحتلال بالامتثال للقرارات الأممية وعلى رأسها القرار 2334، والفتوى القانونية الصادرة عن محكمة العدل الدولية التي تؤكد عدم شرعية الوجود الاستيطاني في الأراضي المحتلة وجوب إزالته وآثاره كاملة.
انتهى