تسوية الأراضي في الضفة الغربية: السجل العقاري الاحتلالي وأبعاد الصراع على الأرض والهوية الفلسطينية

تسوية الأراضي في الضفة الغربية: السجل العقاري الاحتلالي وأبعاد الصراع على الأرض والهوية الفلسطينية.

3/6/2026- مؤسسة الاتحاد من أجل العدالة

تعتبر عملية تسوية الأراضي واحدة من أهم العمليات الإدارية والقانونية والسيادية في تاريخ المجتمعات الحديثة، حيث تهدف في أصلها القانوني الإنساني إلى تثبيت الملكيات العقارية، وتحديد حدود الأراضي بشكل دقيق، ومنح أصحابها وثائق رسمية نهائية تضمن الحقوق عبر الأجيال وتنهي أي نزاعات محلية وتوفر الأمن الاجتماعي والاقتصادي للمواطنين. وفي السياق الفلسطيني، يبرز ملف تسوية الأراضي كأحد أعقد الملفات التي بدأت إبان العهد العثماني وتطورت خلال فترة الانتداب البريطاني واستمرت بشكل منظم خلال الحكم الأردني للضفة الغربية حتى عام 1967، حين بادر الاحتلال الإسرائيلي فوراً إلى إصدار الأمر العسكري الجائر رقم (291) لعام 1968، والذي قضى بتجميد كافة أعمال تسوية الأراضي التي كانت تجريها الإدارة الأردنية، لتبقى أكثر من ثلثي أراضي الضفة الغربية دون تسوية رسمية نهائية، ومسجلة فقط عبر قيود مالية غير مجددة أو عقود بيع محلية وحجج موروثة، وهو تجميد مقصود وممنهج هدف الاحتلال من خلاله إلى إبقاء الوضع العقاري عائماً وغامضاً لتسهيل السيطرة على الأرض ومصادرتها لاحقاً تحت ذرائع مختلفة.

وفي ظل هذا المنعطف التاريخي الخطير، يظهر تطور متسارع يعكس الرغبة الإسرائيلية في الحسم الجغرافي والقانوني، متمثلاً في إقرار حكومة الاحتلال خطة لاستئناف تسوية وتسجيل الأراضي في الضفة الغربية، وتحديداً في المناطق المصنفة (ج)، حيث جرى نقل صلاحيات ملف تسوية الأراضي والمساحة من الإدارة المدنية العسكرية إلى وزارة العدل الإسرائيلية وهيئة المساحة الإسرائيلية، وتوجت هذه الخطوات مؤخراً بإعلان سلطات الاحتلال رسميًا عن إطلاق نظام ومكتب سجل الأراضي وتسوية الحقوق الإلكتروني للضفة الغربية. إن هذا المكتب والنظام الرقمي الجديد، ليس مجرد إجراء تقني أو تحديث إداري لتسهيل المعاملات كما تحاول الدعاية الاحتلالية ترويجه، بل هو هندسة استعمارية رقمية متكاملة وهجوم قانوني شرس يهدف إلى إنشاء سجل عقاري إسرائيلي موازٍ للسجل الفلسطيني الشرعي، يفرض قوة الأمر الواقع ويتم إدارته عبر أنظمة إلكترونية مرتبطة مباشرة بالوزارات الإسرائيلية والمؤسسات القانونية للاحتلال، مما يمهد الطريق لشطب الصلاحية الفلسطينية الإدارية في هذه المناطق، ويجبر السكان أو المستثمرين على التعامل مع منظومة قانونية غريبة عنهم لضمان عقاراتهم، وهو ما يفتح فصلاً جديداً وصعباً من فصول الصراع على الأرض وإلغاء الوجود الفلسطيني.

وتتعدد الأهداف الكامنة وراء مسارعة الاحتلال لافتتاح هذا المكتب وفرض نظام التسوية الجديد، حيث يسعى في المقام الأول إلى مسح الأراضي غير المسجلة رسميًا في الطابو، وإعلان مساحات شاسعة منها كأراضي دولة تابعة للاحتلال بناءً على تفسيرات مجحفة ومحرفة للقوانين العثمانية القديمة التي تتيح مصادرة الأرض في حال عدم فلاحتها لسنوات متتالية نتيجة الحصار العسكري والقيود الميدانية. كما يهدف المشروع إلى شرعنة البؤر الاستيطانية وتوسيع المستوطنات القائمة، إذ إن غياب تسوية الأراضي كان يشكل عائقاً قانونياً أمام المستوطنين لإثبات ملكية الأراضي المبنية عليها مستوطناتهم أمام المحاكم، وبالتالي فإن فتح باب التسوية الإسرائيلية سيتيح تسجيل هذه الأراضي بأسماء شركات استيطانية أو مجالس المستوطنات بشكل رسمي ونهائي. علاوة على ذلك، فإن النظام الإلكتروني الجديد يعمل كمنصة لتسهيل نقل الملكيات وتوثيقها بسرعة فائقة لصالح المستوطنين، تزامناً مع الدفع بقوانين تسمح لهم وللأجانب بشراء الأراضي في الضفة الغربية بشكل غير محدود وبدون قيود، بالتوازي مع ملاحقة ومنع طواقم المساحة والمهندسين التابعين لسلطة الأراضي وهيئة التسوية الفلسطينية من العمل في مناطق (ج) واعتقالهم وفرض عقوبات مالية عليهم لشل أي تحرك فلسطيني مضاد يهدف إلى حماية الحقوق التاريخية.

إن الآثار المترتبة على افتتاح مكتب تسوية الأراضي الإسرائيلي وفرض هذا النظام الإلكتروني تتجاوز الأبعاد القانونية لتشكل خطراً وجودياً على الجغرافيا والديمغرافيا الفلسطينية، وتتمثل أبرز هذه التأثيرات في تسريع وتكريس الضم الزاحف للضفة الغربية وتحويله إلى ضم قانوني فعلي بعد أن كان يتم عبر آليات عسكرية وميدانية ومصادرات مؤقتة لأغراض عسكرية. إن تسجيل الأراضي في سجلات وزارة العدل الإسرائيلية يعني عملياً وبشكل غير معلن فرض السيادة والقانون الإسرائيلي على أراضي الضفة الغربية، وتحويل مكانتها من أراضٍ محتلة تُدار بموجب القانون الدولي الإنساني إلى أراضٍ خاضعة للجهاز الإداري المدني الإسرائيلي، مما يترتب عليه فقدان خطير لأملاك المواطنين واللاجئين نتيجة الشروط التعجيزية التي يفرضها الاحتلال لإثبات الملكية، حيث إن عدم قدرة المواطن على الوصول لأرضه بسبب الجدار أو الحواجز، أو عدم امتلاكه للأوراق التي يشترطها الاحتلال، سيعني تلقائياً نقل ملكية الأرض للاحتلال وتفعيل قانون أملاك الغائبين لمصادرة حصص الملاك الأصليين المقيمين خارج فلسطين وتحويلها لصالح حارس أملاك الغائبين الإسرائيلي الذي يسربها للمستوطنات، مما يؤدي في النهاية إلى شل القدرة على التوسع العمراني الفلسطيني وحصار القرى وخنق التمدد الطبيعي للسكان داخل معازل وجيوب بوقائع قانونية مسجلة في الطابو الإسرائيلي المرفوض شعبياً ودولياً.

وفي هذا السياق المعقد والخطير، أطلقت هيئة تسوية الأراضي والمياه الفلسطينية، بالتعاون مع المرجعيات القانونية والرسمية ونقابة المحامين، تحذيرات شديدة اللهجة ومسؤولة لكافة المواطنين من عواقب ومخاطر التعاطي أو التعامل مع هذا المكتب الإسرائيلي المستحدث والنظام الإلكتروني التابع له بأي شكل من الأشكال. وقد ركزت التحذيرات الفلسطينية على أن التسويق مع إعلانات التسوية الإسرائيلية أو تقديم أي وثائق أو حجج ملكية عبر منصاتهم الرقمية يعد بمثابة اعتراف  طوعي بمنظومة الاحتلال وقوانينه العنصرية فوق الأرض الفلسطينية، وهو ما يجرد المواطن تماماً من الحماية القانونية الدولية التي تعتبر إجراءات الاحتلال باطلة أصلاً ولا ترتب أي أثر حقّي؛ حيث حذرت الهيئة من أن هذا النظام الرقمي صُمم خصيصاً ليكون بمثابة مصيدة قانونية محكمة للملكيات، تتيح للاحتلال فرصة ذهبية للبحث في السجلات والتعرف على الأسماء والورثة المقيمين في الخارج، ومن ثم اقتطاع حصصهم فوراً وتمريرها للمستوطنين بموجب قانون أملاك الغائبين، مما يعني أن المواطن الذي يتوجه للمكتب الإسرائيلي بحسن نية لحماية أرضه قد يتسبب دون أن يشعر في مصادرة أجزاء كبيرة منها وتحويلها إلى بؤرة استيطانية ملاصقة لمنزله تلتهم ما تبقى من ملكية عائلته وتخلق نزاعات وخيمة تهدد السلم الأهلي والمجتمعي داخل البلدات الفلسطينية وتفتح الباب للتزوير وسرقة الحقوق.

تؤكد مؤسسة الاتحاد من أجل العدالة أن هذه الإجراءات الإسرائيلية الرامية لتسجيل وتسوية الأراضي في منطقة محتلة تمثل انتهاكاً جسيماً وصارخاً للقانون الدولي الإنساني، ولا سيما اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 ولوائح لاهاي لعام 1907 التي تحظر بشكل قاطع على القوة المحتلة إجراء تغييرات دائمة في البنية القانونية أو الإدارية للأراضي الواقعة تحت السيطرة العسكرية، وتعتبر المؤسسة هذه الخطوات بمثابة خرق فاضح وجرائم حرب مكتملة الأركان كونها تؤسس لضم استعماري واقتلاع للسكان الأصليين من أراضيهم وممتلكاتهم. وتختتم مؤسسة الاتحاد من أجل العدالة موقفها بالتشديد على أن هذه المرحلة المفصلية تتطلب بناء استراتيجية وطنية وقانونية موحدة لمواجهة هذه الهندسة الاستعمارية عبر تكثيف عمليات استصلاح الأراضي وفلاحتها، وتوفير الدعم القانوني والمادي المجاني لتثبيت الملكيات الفلسطينية في السجلات الوطنية الرسمية، لتبقى الأرض لأصحابها الحقيقيين مهما بلغت أدوات التغول والتدليس والتزوير الإسرائيلي للحقائق والتاريخ.

انتهى

Skip to content