
الأبارتهايد البيئي وحرب التعطيش كأدوات استعمارية لمحو الوجود الفلسطيني
02/05/2026- مؤسسة الاتحاد من أجل العدالة
تتجلى في فلسطين اليوم واحدة من أعقد وأقسى صور الفصل العنصري المعاصر، حيث لم يعد الاحتلال يكتفي بالسيطرة على الإنسان والحيز المكان، بل امتدت أنيابه لتنهش النظام البيئي والموارد الطبيعية فيما بات يُعرف بـ “الأبارتهايد البيئي”. إن هذا النهج الممنهج يعكس استراتيجية “الأرض المحروقة” التي تستهدف تجريد الفلسطيني من أبسط مقومات البقاء فوق أرضه، وتحويل الموارد الطبيعية من حق إنساني أصيل إلى أداة ضغط سياسي وعقاب جماعي. وتبرز قضية السيطرة على المياه كأوضح مثال على هذه السياسة، حيث تُحكم سلطات الاحتلال قبضتها على أكثر من 85% من موارد المياه الجوفية، مما يفرض واقعاً مأساوياً يتمثل في “تعطيش” القرى والمدن الفلسطينية مقابل رغد مائي يعيشه المستوطنون في المستعمرات غير القانونية.
وتظهر ذروة المعاناة في المناطق المصنفة (ج)، حيث يواجه الفلسطينيون هناك حصاراً مائياً خانقاً تفرضه الأوامر العسكرية؛ فبينما تُمد المستوطنات بخطوط مياه ناقلة عابرة للأراضي، يُمنع الفلسطينيون بقرار عسكري من حفر أي آبار مياه جوفية جديدة، بل ويصل التضييق إلى حد منعهم من ترميم الآبار التاريخية أو الآبار الارتوازية القديمة التي تعتمد عليها التجمعات الرعوية والزراعية. وقد وثقت مؤسسة الاتحاد من أجل العدالة تصاعداً خطيراً في سياسة “إخطارات الهدم” منذ مطلع عام 2026، حيث سارعت جرافات الاحتلال إلى هدم وتدمير عشرات المنشآت المائية والآبار التي يعتمد عليها الفلسطينيون في جمع مياه الأمطار؛ ويبرز ما حدث في بلدة “بيت أمر” شمال الخليل في يناير 2026 كمثال صارخ، حيث أقدمت قوات الاحتلال على هدم آبار لجمع المياه وتجريف الأراضي المحيطة بها وطمرها بالأتربة لإخفاء معالمها تماماً، ما حرم المزارعين من مصدرهم الوحيد لري مزروعاتهم في منطقة تعاني أصلاً من جفاف حاد، وتكرر المشهد في بلدات أخرى مثل “برقة” و “الظاهرية”، حيث تم تدمير حواجز وخزانات مياه حيوية لتعطيش التجمعات السكانية ودفعهم نحو الرحيل القسري.
وفي سياق متصل، لم تكتفِ سياسات الاحتلال بمصادرة المياه ومنع حصادها، بل عمدت إلى تسميم الأرض الفلسطينية عبر تحويلها إلى مكبات للنفايات الكيماوية والصلبة؛ إن نقل المصانع الإسرائيلية الملوثة للبيئة إلى أراضي الضفة الغربية يمثل جريمة بيئية عابرة للحدود، حيث تتدفق النفايات السامة والمياه العادمة من المستوطنات نحو الوديان الفلسطينية. ويبرز “واد الزومر” في مدينة طولكرم كشاهد حي على هذه الكارثة، حيث تواصل مجمعات المصانع الإسرائيلية مثل مجمع “جيشوري” ضخ ملوثاتها السائلة والغازية مباشرة في البيئة الفلسطينية، مما تسبب في تلوث الحوض المائي الجوفي وتسميم التربة الزراعية، فضلاً عن تفشي الأمراض التنفسية والمزمنة بين السكان نتيجة تلك الانبعاثات السامة.

أما في قطاع غزة، فقد بلغت جريمة التعطيش ذروتها الإجرامية، حيث استُخدمت المياه كسلاح حرب مباشر عبر تدمير محطات التحلية والخطوط الناقلة، مما دفع حصة الفرد الواحد للانخفاض بنسبة مرعبة تصل إلى 97% عن المعدلات الطبيعية، ليواجه ملايين البشر خطر الجفاف والأوبئة الفتاكة. وعلى صعيد آخر، يبرز تجريف الأشجار المعمرة، وخاصة الزيتون، كأحد أقسى فصول الإبادة البيئية (Ecocide)؛ فالاحتلال، عبر اقتلاع أكثر من مليوني شجرة منذ عام 1967، لا يستهدف الاقتصاد الفلسطيني فحسب، بل يسعى لمحو الذاكرة التاريخية والرابط الروحي بين الفلسطيني وأرضه، وتحويل مساحات شاسعة من هذه الأراضي المصادرة إلى “محميات طبيعية” زائفة لمنع الفلسطينيين من دخولها، ثم قلبها لاحقاً إلى كتل إسمنتية استيطانية، وهو ما نطلق عليه “الاستعمار الأخضر”.
ترى مؤسسة الاتحاد من أجل العدالة أن هذه الممارسات لا يمكن وصفها إلا بأنها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، فهي تخالف المادة 55 من اتفاقية لاهاي التي تمنع استنزاف موارد الإقليم المحتل، وتخرق المادة 53 من اتفاقية جنيف الرابعة التي تجرم تدمير الممتلكات العامة والخاصة كآبار المياه والمزارع. إن تعمد منع الوصول إلى مياه الشرب النظيفة وتسميم البيئة يهدف إلى فرض ظروف معيشية قاسية تؤدي إلى الهلاك المادي، وهو ما يقع ضمن التوصيف القانوني لجريمة الإبادة الجماعية. بناءً عليه، تدعو المؤسسة المجتمع الدولي إلى التدخل الفوري لرفع الحصار المائي وتوفير الحماية الدولية للموارد الطبيعية الفلسطينية، ومحاسبة الاحتلال على جرائم الأبارتهايد البيئي الممنهجة.
انتهى