الفلسطينيون والأرض: معركة مستمرة من أجل البقاء في مواجهة التهجير والاستيلاء

الفلسطينيون والأرض: معركة مستمرة من أجل البقاء في مواجهة التهجير والاستيلاء

15/9/2026- مؤسسة الاتحاد من أجل العدالة

الأرض الفلسطينية ليست مجرد تراب، بل هي هوية وجذر وتاريخ للشعب الفلسطيني. فمنذ عقود، يعيش الفلسطينيون على أرضهم صراعًا يوميًا من أجل البقاء، في ظل محاولات متواصلة لتهجيرهم والاستيلاء على أراضيهم. وفي مناطق مختلفة، من شمال الضفة الغربية إلى الأغوار، مرورًا بمسافر يطا، تتحول الأرض من مصدر للرزق والكرامة إلى ساحة مواجهة حقيقية، حيث يُمنع المزارع من حراثة أرضه ويُحرم من محاصيله، بينما يُسمح للمستوطنين بالوصول إلى الأرض ذاتها وزراعتها واستغلالها.

وفي مناطق الأغوار الشمالية وشمال الضفة الغربية، يتكرر هذا النمط بصورة مستمرة؛ إذ تُمنع الأراضي التي يعتمد عليها الفلسطينيون لإطعام أسرهم ومواشيهم من الوصول إليها أو استغلالها، بينما يتمكن المستوطنون من زراعتها واستغلالها. ويؤدي هذا المنع المتكرر إلى خسائر اقتصادية كبيرة، ويهدد الأمن الغذائي للعائلات الفلسطينية، ويجعل حياتها اليومية محفوفة بالمخاطر والمعاناة.

أما في مسافر يطا، حيث تمتد القرى والتجمعات البدوية بين الصخور والأراضي الزراعية، فيعيش الأهالي يوميًا مواجهة مفتوحة مع المستوطنين وجيش الاحتلال على أرض تمثل مصدر حياتهم الأساسي. فقد اعتمد سكان المنطقة منذ سنوات طويلة على الزراعة ورعي المواشي، إلا أن هذه الأنشطة أصبحت تواجه تضييقًا متواصلًا يهدد قدرتهم على البقاء والارتباط بأرضهم.

ويمنع المستوطنون المزارعين من الوصول إلى أراضيهم وحراثتها، ويلاحقونهم عند الاقتراب منها، في الوقت الذي يقومون فيه هم أنفسهم بحراثة الأرض وزراعتها واستغلالها. وفي العديد من الحالات، يتدخل الجيش ليحسم المشهد لصالح المستوطنين من خلال إعلان الأرض منطقة عسكرية مغلقة، وإجبار المزارعين على مغادرتها، بل ومصادرة الجرارات أو مفاتيحها واعتقال من يحاول ممارسة عمله في أرضه.

وبهذه الطريقة، تتحول الأرض من مساحة للرزق والإنتاج إلى مساحة محظورة على أصحابها، رغم أنها تمثل شريان الحياة للعائلات التي تعتمد عليها في توفير الغذاء لمواشيها، التي تشكل بدورها مصدر رزق أساسيًا لها.

ولم تتوقف الاعتداءات عند منع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، بل يواصل المستوطنون اقتلاع أشجار الزيتون، بما في ذلك اقتلاعها من جذورها، في اعتداء لا يستهدف مصدرًا اقتصاديًا فحسب، وإنما يمس أيضًا ذاكرة المكان وارتباط الأهالي بأرضهم. فالزيتون بالنسبة إلى أهالي المسافر ليس مجرد شجرة، بل جزء من تاريخهم وذاكرتهم وحياتهم الممتدة في هذه الأرض.

كما تشمل الاعتداءات سرقة بذور القمح التي يعتمد عليها المزارعون لبدء مواسمهم الزراعية، ومنعهم من ممارسة أبسط الأنشطة المرتبطة بأرضهم، بما في ذلك حراثتها وجمع محاصيلها.

وتُربك هذه الاعتداءات المتكررة حياة الأهالي وتضاعف معاناتهم، ولا سيما أن عدداً كبيراً من الأسر البدوية يعتمد بصورة أساسية على الأرض في توفير الغذاء للمواشي التي تشكل مصدر رزقها. ومع كل شجرة تُقتلع، وكل موسم زراعي يتعرض للنهب أو التعطيل، يزداد العبء الاقتصادي والمعيشي على هذه الأسر، فيما يظل تمسكها بأرضها قائمًا.

ورغم محاولات الاقتلاع المتكررة، يواصل أهالي مسافر يطا التمسك بأرضهم والعودة إليها وممارسة ما يستطيعون من أنشطتهم الزراعية والرعوية. فهم يحرسون ما تبقى من أشجارهم ومحاصيلهم، ويواصلون زراعة أرضهم، إدراكًا منهم بأن الأرض ليست مجرد مكان للسكن، وإنما جزء أساسي من هويتهم ووجودهم وسبيل بقائهم.

مسافر يطا تُحاصر، نعم، لكن أهلها لا ينكسرون. فارتباط الإنسان بأرضه، وبما بناه فيها عبر أجيال، يجعل الدفاع عنها بالنسبة إليه دفاعًا عن مصدر رزقه وكرامته وهويته وحقه في البقاء.

ومن منظور القانون الدولي الإنساني، فإن ما يجري في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ولا سيما في مسافر يطا، يثير انتهاكات خطيرة للالتزامات الواقعة على عاتق قوة الاحتلال تجاه السكان المدنيين وممتلكاتهم. وتُلزم اتفاقية جنيف الرابعة قوة الاحتلال باحترام وحماية السكان المدنيين، وحظر الاعتداء على ممتلكاتهم، وضمان معاملتهم معاملة إنسانية، كما تفرض عليها التزامات تتعلق بحماية السكان ومصالحهم الأساسية في الأراضي المحتلة.

كما أن منع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، والاستيلاء على الأراضي واستغلالها بالقوة، واقتلاع الأشجار، والاعتداء على السكان، وعرقلة مصادر رزقهم، تمس مجموعة من الحقوق الأساسية، بما في ذلك الحق في الملكية، والحق في العمل وكسب الرزق، والحق في التمتع بمستوى معيشي لائق، فضلًا عن حق السكان في البقاء في أماكن إقامتهم وعدم إجبارهم على مغادرتها بصورة غير مشروعة.

وتقع على عاتق دولة الاحتلال مسؤولية احترام التزاماتها بموجب القانون الدولي، واتخاذ التدابير اللازمة لمنع الاعتداءات التي يتعرض لها السكان الفلسطينيون وممتلكاتهم، والتحقيق في الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها، وعدم السماح باستخدام القوة أو التهديد بها لفرض واقع جديد على الأرض.

إن استمرار هذه الممارسات لا يمثل مجرد اعتداءات منفصلة على مزارعين أو ممتلكات، بل يأتي في سياق يهدد قدرة الفلسطينيين على الوصول إلى أراضيهم وممارسة حياتهم الطبيعية والحفاظ على مصادر رزقهم ووجودهم فيها. ولذلك، فإن حماية الأرض والسكان الفلسطينيين تتطلب موقفًا دوليًا واضحًا وفعالًا يضمن احترام قواعد القانون الدولي، ووقف الاعتداءات، وحماية المدنيين وممتلكاتهم، ومنع أي إجراءات تهدف إلى فرض التهجير أو تغيير الواقع القائم على الأرض بالقوة.

انتهى

Skip to content