
الضم الزاحف في الضفة الغربية: الاستيطان كأداة لتغيير الوضع القانوني للإقليم المحتل
27/7/2026- مؤسسة الاتحاد من أجل العدالة
قالت مؤسسة الاتحاد من أجل العدالة في تقريرها الميداني والتقييمي الأخير؛ إن ما تشهده الضفة الغربية في الآونة الأخيرة لا يمكن تصنيفه ضمن دائرة التوسع الاستيطاني العابر أو النمو الديمغرافي الطبيعي، بل هو مشروع متكامل ومدروس يستهدف إعادة رسم جغرافيا المنطقة بالكامل، وفرض واقع جديد على الأرض يصعب التراجع عنه أو تفكيكه مستقبلاً. وأوضحت المؤسسة أن العمليات الاستيطانية المتسارعة لم تعد تقتصر على بناء وحدات سكنية أو توسيع مستوطنات قائمة، بل تحولت إلى بناء شبكات هندسية وفضائية متكاملة تشمل طرقاً التفافية تقطع أوصال القرى والمدن الفلسطينية وتفصلها عن بعضها، وبنى تحتية مخصصة لربط المستوطنات بالعمق مما يخلق شبكة متصلة للمستوطنين على حساب أراضٍ ومجتمعات فلسطينية معزولة. إضافة إلى ذلك، جرى نشر بؤر استيطانية ورعوية تُستخدم كأداة للسيطرة السريعة على مساحات شاسعة من الأراضي والمراعي بجهد واقتطاع مباشر.
إن هذه السياسة تُنتج جغرافيا جديدة بالكامل؛ حيث تتحول المدن والقرى الفلسطينية إلى معازل أو كنتونات مقطعة الأوصال ومحاطة بجدران وشبكات طرق وبنى تحتية تجعل التواصل الجغرافي والاجتماعي والاقتصادي بينها أمراً شبه مستحيل، ومحاصراً بفرص حياة تتضاءل يوماً بعد يوم. كما أشارت المؤسسة إلى أن هذا التغير الجغرافي لا يتم بجهود فردية، بل بدعم رسمي ومباشر عبر تخصيص ميزانيات حكومية ضخمة لتطوير المستوطنات وشبكاتها التنظيمية، بالتوازي مع تسريع وتيرة سياسات الهدم والتهجير القسري للتجمعات السكانيّة وبخاصة في المناطق المصنفة (ج) وفي أغوار الأردن، واتساع نطاق الممارسات والعنف الصادر عن مجموعات المستوطنين والذي يُستخدم كأداة ضغط ميدانية لإجبار السكان الأصليين على ترك أراضيهم ومراعيهم لتسهيل السيطرة عليها؛ حيث تتضافر هذه العوامل معاً لإنشاء بيئة طاردة للسكان تتآكل فيها مقومات الحياة الأساسية من مياه وأراضٍ زراعية وحرية حركة.
ولم تتوقف الانتهاكات عند حدود سلب الأراضي وتفتيت الجغرافيا، بل امتدت لتشمل شبكة واسعة من الحواجز العسكرية والنقاط المغلقة التي تُحكم الخناق على حياة الفلسطينيين اليومية وتتسبب في مآسٍ إنسانية وصحية قاتلة. تُشكّل هذه الحواجز والبوابات الحديدية عائقاً يعرقل وصول المواطنين إلى المستشفيات المرافق الصحية في الحالات الطارئة، حيث تحوّلت سياسة الإغلاق والمماطلة وتأخير مركبات الإسعاف إلى سبب مباشر في فقدان العديد من الأرواح.

وكان آخر هذه الفاجعات المأساوية ما شهدته محافظة رام الله، حيث توفيت امرأة فلسطينية إثر إصابتها بوعكة صحية طارئة (سكتة قلبية)، بعد أن احتجزت القوات العسكرية سيارة الإسعاف التي كانت تنقلها على أحد الحواجز العسكرية المغلقة، ومنعتها من المرور والوصول في الوقت المناسب إلى المركز الطبي المختص لتلقي العلاج العاجل، مما أدى إلى وفاتها قبل وصولها إلى المستشفى. إن هذه الحادثة ليست سوى نموذج لسياسة منهجية تحوّل حظر الحركة والانتظار الطويل عند الحواجز إلى بيئة مهددة للحياة والخدمات الطبية والأساسية.
تؤكد المؤسسة أن الاستيطان بكافة أشكاله وصوره، إلى جانب الحصار وقيود الحركة المفروضة على المدنيين، يُعد خرقاً جسيماً للمادة (49) من اتفاقية جنيف الرابعة لسنة 1949، التي تحظر على الدولة المحتلة نقل أجزاء من سكانها المدنيين إلى الأراضي التي تحتلها، أو القيام بأي إجراءات تؤدي إلى التغيير الديمغرافي أو الجغرافي الدائم في الإقليم المحتل، كما تحظر تعريض حياة المدنيين تحت الاحتلال للخطر. و أن هذه الممارسات تتنافى جملة وتفصيلاً مع قرارات الشرعية الدولية، وبخاصة القرار رقم 2334 لعام 2016 الصادر عن مجلس الأمن الدولي، والذي أكد بوضوح عدم شرعية إنشاء المستوطنات في الأراضي المحتلة منذ عام 1967 وأنها تمثل انتهاكاً صارخاً بموجب القانون الدولي وعقبة رئيسية أمام تحقيق السلام.
تدعو المؤسسة الأطراف السامية الموقعة على اتفاقيات جنيف والمجتمع الدولي إلى الخروج من دائرة عبارات القلق والتنديد التقليدية، واتخاذ خطوات إجرائية وملموسة لوقف التوسع الاستيطاني وسياسات الإغلاق والحصار فوراً.
تدعم المؤسسة فرض حظر شامل على منتجات المستوطنات، وحظر التعامل المالي أو الاستثماري مع المؤسسات والشركات العاملة في البناء الاستيطاني أو التي تساهم في تقديم الخدمات للبنية التحتية للاحتلال.و إلى تفعيل آليات المساءلة والمحاسبة لدعم التحقيقات الجارية أمام المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية، ومحاسبة الأفراد والجهات المتورطة في تخطيط وتنفيذ وتمويل الاستيطان، والتهجير القسري، وإعاقة وصول الإغاثة والخدمات الطبية للمدنيين.
تطالب المؤسسة بضرورة توفير حماية دولية فعالة للمدنيين الفلسطينيين والتجمعات المهددة بالتهجير والتضييق، لوقف سياسة فرض الأمر الواقع ومنع مصادرة الحقوق الجوهرية للشعب الفلسطيني على أرضه.
وتؤكد المؤسسة أن استمرار الصمت الدولي إزاء هذه السياسات لا يسهم فقط في ترسيخ نظام غير مشروع، بل يهدد بصورة مباشرة فرص تحقيق سلام عادل ودائم قائم على احترام القانون الدولي وحقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف.
انتهى