الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية: توسع غير مسبوق، بؤر جديدة، ومصادرة ممنهجة للأراضي

وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش يحمل خريطة تظهر مشروع “إي 1” أثناء مؤتمر صحفي قرب مستوطنة معاليه أدوميم (أسوشيتد برس)

25/8/2025- مؤسسة الاتحاد من أجل العدالة

تشهد الضفة الغربية المحتلة والقدس تصعيداً غير مسبوق في النشاط الاستيطاني الإسرائيلي، يتجلى في خطط توسعية ممنهجة، ومصادرة للأراضي، وعمليات هدم واسعة النطاق، مدعومة بسياسات عسكرية وسياسية تهدف إلى فرض وقائع جديدة على الأرض وتكريس سيطرة الاحتلال. هذه الأنشطة تتزايد بشكل ملحوظ بالتزامن مع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وتثير تداعيات قانونية وإنسانية خطيرة.

قال أجيت سونغاي، مدير مكتب مفوضية حقوق الإنسان في فلسطين: ” إن التركيز على غزة وحدها لا يعكس حجم الانتهاكات الإسرائيلية، مشيرا إلى أن الأراضي تُسرق يوميا في الضفة الغربية والقدس، مع استمرار عمليات تهجير الفلسطينيين من منازلهم”. وأشار سونغاي، إلى أن خطة الاستيطان الحالية تهدف إلى القضاء على ما يسمى بفلسطين على الأراضي المحتلة منذ عام 1967، مؤكدا أن هذا التوجه يشكل تهديدا خطرا على إقامة الدولة الفلسطينية. وأضاف أن المستوطنين يواصلون أعمالهم العدائية رغم قرار محكمة العدل الدولية عام 2024 الذي دعا إسرائيل للانسحاب من الأراضي المحتلة.

أن تصرفات المستوطنين تُعد مجنونة وتعزز جهود الاستيطان بشكل كبير، ما يجعل الوضع خطرا ويستدعي اهتمام المجتمع الدولي. ومنذ أن بدأت إبادتها الجماعية بقطاع غزة في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، تكثف إسرائيل ارتكاب جرائم تمهد لضم الضفة الغربية، بينها هدم منازل وتهجير فلسطينيين وتوسيع الاستيطان وتكثيفه.

التوسع الاستيطاني وبناء البؤر الاستيطانية الجديدة

يعقد “المجلس الأعلى للتخطيط” جلسات أسبوعية لتعزيز الاستيطان منذ نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، ما يعكس حملة تصعيد غير مسبوقة.  وفي مطلع يوليو/ تموز 2025، ناقش المجلس المصادقة على بناء 267 وحدة استيطانية جديدة في مستوطنتي “غاني موديعين” و”معاليه عاموس” . وتشمل هذه الخطط بناء 150 وحدة سكنية في “غاني موديعين” خارج الجدار الفاصل، وهي سابقة تُكّرس واقع الضم الفعلي لأراضٍ فلسطينية محتلة تقع غرب الجدار. هذا المشروع، الذي تعود جذوره إلى أكثر من عشرين عاماً، أُعيد تحريكه بعد تشكيل الحكومة الإسرائيلية الحالية وهو على وشك نيل المصادقة النهائية، ما يعني اعترافاً رسمياً بالبناء خارج الجدار كجزء من استراتيجية توسعية ممنهجة.

وفي 16 يوليو/ تموز، دفع “المجلس الأعلى للتخطيط” بمخططات لبناء 567 وحدة استيطانية جديدة في مستوطنتي “جفعات زئيف” و”بيتار إيليت”، بالإضافة إلى إعادة مناقشة خطة تشمل 464 وحدة سكنية جديدة في مستوطنة “تلمون”. كما ناقش المجلس في 30 يوليو/ تموز 2025 مشروعاً يقضي بهدم وإعادة بناء 350 وحدة سكنية في الجانب الغربي من مستوطنة لم تُحدد.

خلال الفترة التي يغطيها التقرير، تم إنشاء 59 بؤرة استيطانية جديدة، معظمها “بؤر رعوية” تستخدم كأدوات لفرض السيطرة على الأراضي الفلسطينية. هذا الرقم يعد قفزة غير مسبوقة مقارنة بالمعدل السنوي الذي لم يتجاوز 7 بؤر سنوياً بين عامي 1996 و2022.

مصادرة الأراضي وتجريفها

تستمر سلطات الاحتلال في مصادرة الأراضي الفلسطينية بحجج مختلفة. فخلال يوليو/ تموز:

  •  صادرت سلطات الاحتلال قطعة أرض مساحتها 1.5 دونم في خربة الحديدية في الأغوار الشمالية، بهدف حفر بئر مياه.
  •  أصدرت أمراً بوضع اليد على 7 دونمات من قرية جينصافوط قضاء محافظة قلقيلية، لصالح توسعة وشق طريق عسكري جديد تابع لمستوطنتي “رمات جلعاد” و”نفي مناحيم”.
  • في 8 يوليو/ تموز، أصدرت سلطات الاحتلال أمراً عسكرياً جديداً يقضي بمصادرة 5.7 دونمات من أراضي بلدَة الخضر جنوب غرب بيت لحم، بذريعة “أغراض أمنية”. يأتي هذا الإجراء ضمن سلسلة أوامر عسكرية إسرائيلية تستهدف أراضي الضفة الغربية، في سياق توسع استيطاني ممنهج لفرض وقائع جديدة على الأرض.

بالإضافة إلى ذلك، قامت قوات الاحتلال ومستوطنيه بقطع وإتلاف2,939  شجرة، معظمها من أشجار الزيتون. وتصنف أكثر من 90% من مساحة الأغوار الفلسطينية على أنها “أراضي دولة” أو “محميات طبيعية” أو “مناطق عسكرية”، وهي تصنيفات يستخدمها الاحتلال كغطاء لحرمان الفلسطينيين من حقهم في الأرض.

التهجير القسري وهدم المنازل والمنشآت

شهد النصف الأول من عام 2025 تصاعداً حاداً في عمليات التهجير نتيجة الهدم الذي تنفذه سلطات الاحتلال بحجة عدم الترخيص في مناطق “ج”.

  • في الفترة الممتدة من 1 كانون الثاني/يناير وحتى 28 يوليو/ تموز، هُدمت 840 منشأة فلسطينية، ما تسبب في نزوح 807 أشخاص، بينهم أكثر من 400 طفل. هذا يعد ارتفاعاً ملحوظاً مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024، حيث هُدمت 581 منشأة ونزح 308 أشخاص، وأيضاً مقارنة بعام 2023 حيث بلغت عمليات الهدم 414 منشأة ونزح 546 فرداً.
  • في القدس، وثق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) هدم 118 منشأة خلال نفس الفترة بحجة عدم حصولها على رخص البناء، مما أدى إلى نزوح 355 فلسطينياً بينهم 178 طفلاً. وتجدر الإشارة إلى أن 63% (74 منشأة ) هُدمت على يد أصحابها بمشاركة جزئية من السلطات الإسرائيلية في بعض الحالات، تفادياً لدفع الضرائب.
  • بلغ معدل نزوح الفلسطينيين في القدس الشرقية جراء عمليات الهدم بسبب عدم الترخيص 51 شخصاً شهرياً منذ كانون الثاني/يناير 2023، مقارنة بمعدل 29 شخصاً شهرياً خلال الفترة بين 2019 و2022، و15 شخصاً شهرياً في الفترة ما بين 2009 و2018. هذا يعكس تدهوراً متسارعاً في الأوضاع واّطراداً ملحوظاً في عمليات التهجير.
  • وخلال الفترة التي يغطيها التقرير، هدمت آليات الاحتلال 59 منزلاً و46 منشأة.

كما كثّفت جماعات المستوطنين، بدعم سياسي وعسكري من سلطات الاحتلال، من حملات التهجير القسري بحق التجمعات البدوية في الضفة الغربية المحتلة، لا سيما في محافظتي الخليل ورام الله. وفقاً لدراسة أعدّتها منظمة “لمبتسي” الإسرائيلية، فقد رُحّل 38 تجمعاً بدوياً بشكل كامل عن أماكن سكناهم، إلى جانب استهداف تجمعات أخرى جزئياً وتهجير عدد من عائلاتها. وشهدت الأغوار الشمالية والوسطى منذ مطلع عام 2023 تصعيداً خطيراً في اعتداءات المستوطنين، ضمن مخطط ممنهج يسعى إلى فرض وقائع جديدة على الأرض. وقد تم توثيق أكثر من 30 حالة تهجير قسري لعائلات من الأغوار الشمالية خلال عام واحد فقط، إضافة إلى تهجير 29 تجمعاً بدوياً آخر في الضفة الغربية منذ أكتوبر 2023.

وفي مخيم نور شمس بطولكرم، أصدرت سلطات الاحتلال أمراً عسكرياً في 27 يوليو/ تموز، أعلنت فيه أن المنطقة المشجرة المحيطة بالمخيم منطقة عسكرية مغلقة حتى 31 تشرين الأول/أكتوبر 2025.

اعتداءات المستوطنين وانتهاكاتهم

شهدت السنوات الأخيرة تصاعداً حاداً في انتهاكات المستوطنين في الضفة الغربية، بالتزامن مع الحرب الإسرائيلية المستمرة على قطاع غزة. بلغ إجمالي اعتداءات المستوطنين خلال عام 2023 نحو 2400 حالة موثقة، بينما تم تسجيل 1250 اعتداءً جديداً في النصف الأول من عام 2024. وخلال هذا الشهر، ُرِصدت 465 حالة اعتداء من قبل المستوطنين على المواطنين الفلسطينيين وممتلكاتهم. شملت هذه الاعتداءات اقتحام الأراضي الزراعية وزراعتها للسيطرة عليها أو إتلاف محاصيل وأشجار الفلسطينيين، وهجمات ممنهجة على القرى والبلدات الفلسطينية وإطلاق النار تجاه المنازل وحرق المركبات، فضلاً عن سرقة ومصادرة ممتلكات المواطنين. وقد سجلت الانتهاكات ارتفاعاً من نحو 579 انتهاكاً في عام 2020 إلى 1,444 انتهاكاً حتى نهاية حزيران/يونيو 2025. وفي الفترة الواقعة بين كانون الثاني/يناير وحزيران/يونيو 2025 وحدها، تم توثيق أكثر من 1,400 اعتداء ارتكبها المستوطنون.

من أبرز هذه الاعتداءات استشهاد الناشط عودة الهذالين في 29 تموز/يوليو، بعدما أطلق عليه مستوطن النار في قرية أم الخير جنوب الخليل، أثناء محاولته منع المستوطنين من تنفيذ أعمال تجريف بين منازل الأهالي. وأصيب مواطن آخر بجروح خطيرة بعد تعرضه مع عدد من السكان للدهس بالجرافة. جاء هذا الاعتداء امتداداً لنمط مستمر من المضايقات المنظمة التي تمارسها مجموعات المستوطنين ضد سكان القرية، التي تضم نحو 200 فلسطيني هُجّروا قسراً من النقب عام 1948 واستقروا في مسافر يطا. وقد أقامت سلطات الاحتلال مستوطنة “كرمل” بعدما أعلنت نحو 4,000 دونم من أراضي المنطقة “أراضي دولة”.

انتهاك الوضع القائم في المسجد الإبراهيمي

خلال هذا الشهر، أصدر وزير الأمن الإسرائيلي قراراً أحادياً بنقل صلاحية إدارة المسجد الإبراهيمي إلى السلطات الإسرائيلية بزعم تنفيذ أعمال الترميم في الموقع. وبموجب هذا القرار، سيتمكن الاحتلال من إجراء تغييرات هيكلية في الحرم دون أي تنسيق أو موافقة فلسطينية، الأمر الذي يعدّ انتهاكاً للاتفاقيات الدولية التي تُلزم إسرائيل بالحفاظ على الوضع القائم.

إن النشاط الاستيطاني المتصاعد في الضفة الغربية والقدس يمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي، ويهدف إلى تغيير الواقع الديموغرافي والجغرافي في الأراضي المحتلة. إن عمليات بناء الوحدات الاستيطانية خارج الجدار، ومصادرة الأراضي، وهدم المنازل، وتصاعد اعتداءات المستوطنين بدعم من سلطات الاحتلال، كلها أجزاء من استراتيجية ممنهجة لضم الأراضي الفلسطينية وتقويض أي حل مستقبلي يقوم على مبدأ الدولتين، وحرمان الفلسطينيين من حقوقهم الأساسية في أرضهم وممتلكاتهم.

إن مؤسسة الإتحاد من أجل العدالة تدين بأشد العبارات هذه الانتهاكات الصارخة والمتواصلة التي ترتكبها سلطات الاحتلال الإسرائيلي بحق الشعب الفلسطيني. ندعو المجتمع الدولي وكافة الهيئات القضائية الدولية إلى تحمل مسؤولياتها لوضع حد لهذه الجرائم، ومحاسبة مرتكبيها، وضمان حق الشعب الفلسطيني في العيش بكرامة وحرية على أرضه. لا يمكن تحقيق السلام العادل والدائم دون إنهاء الاحتلال وضمان العدالة لضحايا هذه الانتهاكات.

انتهى

Skip to content