الإخفاء القسري والقتل البطيء: التوظيف الممنهج للتعذيب والتجويع كأدوات لإبادة الأسرى في المعسكرات والسجون

2026/05/23  الإتحاد من أجل العدالة

تشكل قضية الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال الإسرائيلي وجهاً صارخاً من وجوه حرب الإبادة الشاملة وعمليات المحو الاستعماري المتواصلة بحق الشعب الفلسطيني، حيث كشفت الإحاطة الصادرة عن هيئة شؤون الأسرى والمحررين ونادي الأسير الفلسطيني، ومؤسسة الإتحاد من أجل العدالة، ومؤسسات حقوقية، عن واقع مأساوي يواجه فيه آلاف الأسرى منظومة متكاملة من التعذيب والتجويع الممنهج. إن ما يحدث داخل الزنازين والمعسكرات ليس مجرد إجراءات أمنية، بل هو تدمير ممنهج للجسد والروح، تنفذه وحدات خاصة مدججة بالسلاح تستهدف كسر إرادة الإنسان الفلسطيني من خلال تصعيد غير مسبوق في عمليات القمع التي لم يسلم منها أي أسير، مخلفة إصابات بليغة وعاهات مستديمة، ولا سيما كسور الأضلاع التي نتجت عن الاعتداءات العنيفة.

وتبرز سياسة “الإعدام البطيء” كواحدة من أخطر الأدوات المستخدمة، حيث يُحرم آلاف الأسرى من حقهم في العلاج والرعاية الصحية، ما أدى إلى انتشار الأوبئة والأمراض الجلدية المعدية، وعلى رأسها مرض “الجرب” (السكابيوس) الذي تحول إلى أداة تعذيب تنهش أجساد الأسرى في ظل انعدام النظافة والازدحام الشديد. وتترافق هذه السياسة مع جريمة التجويع الممنهجة التي جعلت من أجساد الأسرى شهادات حية على الكارثة الإنسانية، إذ يُقدم للاحتلال وجبات ضئيلة جداً لا تتجاوز كونها لقيمات لسد الرمق، ما تسبب في نقص حاد في الأوزان وهزال شديد وضعف في المناعة، خاصة لدى المصابين بأمراض مزمنة مثل السرطان والتصلب اللويحي الذين يواجهون خطر الموت في كل لحظة.

ويمتد هذا التوحش ليطال الفئات الأكثر ضعفاً، حيث تتعرض الأسيرات في سجن “الدامون” لعمليات تنكيل يومية تشمل اقتحام الغرف في ساعات الفجر، ورش الغاز المسيل للدموع، والاعتداء بالضرب المبرح، بالإضافة إلى الحرمان من الاحتياجات الخاصة الأساسية كأداة للإذلال والقهر. أما الأسرى الأطفال، فهم يواجهون ذات الواقع المأساوي دون أي اعتبار لأعمارهم، حيث يُحرمون من زيارة ذويهم ومن أبسط حقوقهم الإنسانية، في ظل ظروف احتجاز قاسية تجعل الطفل الأسير يشتهي قطعة حلوى في شهادة تعكس حجم الحرمان والقهر داخل السجون.

وفي معسكرات مثل “جلعاد” و”سديه تيمان”، تصل ممارسات التعذيب إلى مستويات سادية؛ ففي “جلعاد” تُترك نوافذ الزنازين مفتوحة لتتسرب مياه الأمطار إلى فرشات الأسرى في البرد القارس، بينما يُجبر الأسرى في “سديه تيمان” على ارتداء أساور تحمل أرقاماً بدلاً من أسمائهم في محاولة لمحو هويتهم الإنسانية. ويعيش معتقلو غزة في هذه المعسكرات ظروف “الإخفاء القسري” والتعذيب اللحظي، حيث يُمنعون من النوم لساعات طويلة، ويُجبرون على الجلوس بوضعيات قاسية مع خفض الرؤوس، ويتعرضون للتهديد والضرب قبل زيارات المحامين لترهيبهم ومنعهم من الإدلاء بشهاداتهم حول ما يتعرضون له. أمام هذا الواقع المرير، تضع المؤسسات الحقوقية المجتمع الدولي أمام مسؤولياته القانونية والأخلاقية، مطالبة بضرورة تفعيل الوالية القضائية العالمية لملاحقة المتورطين في هذه الجرائم، وتعليق التعاون الدبلوماسي والعسكري مع الاحتلال حتى يمتثل للقانون الدولي. وتشدد هذه المطالب على وجوب الإفراج الفوري عن الأسرى السياسيين، وإنهاء سياسة الاعتقال الإداري، وتفكيك نظام المحاكم العسكرية، مع ضرورة السماح الفوري للجنة الدولية للصليب الأحمر بزيارة السجون والمعسكرات للاطلاع على الظروف الكارثية للأسرى ووقف نزيف الجرائم المرتكبة بحقهم.

أساليب التعذيب المتبعة في معسكر “جلعاد

يعتبر معسكر “جلعاد” التابع لجيش الاحتلال في سجن “عوفر” نموذجاً صارخاً للمستويات المروعة من التعذيب الممنهج الذي يمارس بحق المعتقلين الفلسطينيين، حيث تحول الاحتلال الإجراءات اليومية والظروف الطبيعية إلى أدوات للتنكيل الجسدي والنفسي ضمن منظومة متكاملة تهدف إلى تحطيم إرادة الأسير.

تشمل أساليب التعذيب الجسدي المباشر في هذا المعسكر الضرب المبرح والصعق بالكهرباء، بالإضافة إلى حرمان المعتقلين من أدنى مقومات الحياة الأساسية وممارسة سياسات إذلال متعمدة بشكل منهجي. وتستخدم إدارة المعسكر الظروف المناخية القاسية كأداة تعذيب إضافية، حيث تعمد إلى إبقاء نوافذ الزنازين مفتوحة دوماً، مما يؤدي إلى تسرب مياه الأمطار إلى الداخل ووصولها إلى فرشات وأغطية الأسرى المبللة أصلاً، في وقت يفتقر فيه الأسرى لأي بدائل أو وسائل تدفئة.

كما تنتهج إدارة المعسكر سياسة تنكيلية تتمثل في سحب الأغطية والفرشات يومياً من الساعة السادسة صباحاً وحتى ساعات المساء، مما يترك الأسرى فريسة للبرد القارس طوال ساعات النهار. ويُجبر الأسرى كذلك على الاستحمام بالمياه الباردة في ظل أجواء الشتاء الشديدة، وهو ما يعد انتهاكاً صارخاً للمعايير الإنسانية والصحية.

وتتفاقم هذه المعاناة بسبب الاكتظاظ الشديد داخل الزنازين، حيث يُحتجز في الزنزانة الواحدة نحو 11 أسيراً رغم وجود 4 أسرّة (أبراش) فقط. هذا الواقع يضطر بعض الأسرى للنوم على الأرض المبللة بمياه الأمطار، بينما يضطر الآخرون للتكدس فوق الأسرّة الأربعة المتاحة للهرب من بلل الأرض والبرد الشديد، مما يحول الزنزانة إلى مكان للاضطهاد الجسدي والنفسي المستمر.

الإجراءات القمعية التي تعرضت لها الأسيرات في “الدامون

تعرضت الأسيرات الفلسطينيات في سجن “الدامون”، لسلسلة من الإجراءات القمعية والتنكيلية الممنهجة التي نفذتها وحدات القمع التابعة للاحتلال، وتمثلت هذه الإجراءات في هجمات جسدية مباشرة، حيث اقتحمت القوات الغرف واستخدمت الغاز المسيل للدموع، وأجبرت الأسيرات على الاستلقاء على الأرض مع الاعتداء عليهن بالضرب المبرح وتوجيه شتائم نابية، بذريعة العثور على عبارات “تحريضية”.

وفي تصعيد آخر جرى اقتحام غرف الأسيرات وتقييدهن بالأصفاد من الخلف وتعصيب أعينهن، ثم إخراجهن إلى الساحة الخارجية في ظل البرد الشديد. وأُجبرت الأسيرات خلال هذه العملية على الجلوس على ركبهن وخفض رؤوسهن لعدة ساعات، بمرافقة الكالب البوليسية واستخدام القنابل الصوتية، كما تعمدت الإدارة تصوير عمليات القمع وأعمال التخريب الواسعة التي طالت مقتنياتهن داخل الغرف.

وإلى جانب التنكيل الجسدي، فرضت إدارة السجن عقوبات جماعية شملت إغلاق الغرف والحرمان من “الفورة” (الفسحة اليومية)، بالإضافة إلى استمرار سياسة التجويع الممنهجة والحرمان من العلاج والرعاية الصحية، خاصة للأسيرات اللواتي يعانين من أمراض مزمنة مثل السرطان. وتتضاعف هذه المعاناة مع دخول فصل الشتاء نتيجة النقص الحاد في الأغطية والملابس والتدفئة، ما حول البرد إلى أداة تعذيب إضافية.

كما تبرز ممارسات الإذلال المتعمد من خلال الحرمان من الاحتياجات الخاصة الأساسية، وعلى رأسها الفوط الصحية، التي تستخدمها منظومة السجون كأداة إضافية للقهر والمساس بكرامة الأسيرات الإنسانية. وتأتي هذه الإجراءات ضمن منظومة متكاملة تستهدف تدمير الأسيرات جسدياً ونفسياً وعزلهن تماماً عن العالم الخارجي، بما في ذلك حرمانهن من زيارات ذويهن أو الصليب الأحمر.

توظف إدارة السجون فصل الشتاء كأداة لتعذيب الأسرى

يمكن تشبيه سياسة الاحتلال في توظيف الشتاء بـ “المقصلة الجليدية” التي لا تكتفي بقطع صلة الأسير بالعالم، بل تنهش جسده بصمت وبرودة، محولةً الهواء والمطر اللذين يمثلان رمزاً للحياة إلى أدوات قتل بطيء تُطوق الزنازين من كل جانب. مع دخول فصل الشتاء، تتحول الظروف المناخية في سجون ومعسكرات الاحتلال الإسرائيلي من تحدٍ طبيعي إلى سلاح فتاك ضمن منظومة “التعذيب الممنهج” التي تستهدف آلاف الأسرى الفلسطينيين.

في معسكر “جلعاد” التابع لسجن “عوفر”، تتبدى سادية المحتل في تعمد إبقاء نوافذ الزنازين مفتوحة على مصراعيها، مما يسمح لمياه الأمطار بالتسرب إلى الداخل لتغرق الفرشات والأغطية المبللة أصلاً. ولا تكتفي الإدارة بذلك، بل تعمد إلى سحب كافة الأغطية والفرشات من الساعة السادسة صباحاً وحتى المساء، تاركة الأسرى لمواجهة الصقيع دون بدائل، مما يضطرهم للتكدس فوق أسرّة معدنية قليلة (أبراش) للهرب من بلل الأرض وبرودتها القاتلة، فضلاً عن إجبارهم على الاستحمام بالمياه الباردة في ذروة الشتاء.

وتتكرر هذه السياسة الممنهجة في سجن “الرملة”  (قسم ركيفت)، حيث يُجرد المعتقلون من فراشهم وأغطيتهم من الساعة الرابعة فجراً وحتى الحادية عشرة ليلاً، مما يجبرهم على قضاء نهارهم مستلقين على الحديد البارد أو الأرض، في ظل انعدام تام لوسائل التدفئة أو الملابس الشتوية الكافية. هذه الممارسات لا تفرق بين فئة وأخرى، إذ تواجه الأسيرات في سجن “الدامون” والأسرى الأطفال ظروفاً مشابهة من الحرمان الممنهج الذي يضاعف آلامهم الجسدية والنفسية ويجعل من فصل الشتاء كابوساً يومياً متواصلاً.

ولا يتوقف توظيف الشتاء عند حدود البرد الجسدي، بل يمتد ليكون عاملاً محفزاً للأمراض والأوبئة؛ ففي ظل سياسة “الإعدام البطيء”، يضاعف البرد الشديد من أوجاع المصابين بكسور الأضلاع والحوض والخلع في الأكتاف الناتج عن التنكيل المستمر. كما يساهم نقص الملابس النظيفة والرطوبة العالية في تفاقم كارثة مرض “الجرب” (السكابيوس) الذي ينهش أجساد الأسرى، محولاً إياها إلى دمامل مغطاة بالصديد، حيث يفتقر الأسرى لأي علاج حقيقي أو ملابس تقيهم من مضاعفات المرض في ظل الجو القارس.

كما يُستخدم البرد كأداة للعقاب الجماعي أثناء عمليات القمع الليلية، كما حدث مع أسيرات سجن “الدامون” اللواتي أُخرجن في ساعات الفجر الأولى بملابس خفيفة إلى الساحات الخارجية في البرد الشديد، وأُجبرن على الجلوس مقيدات الأيدي ومعصبات الأعين على ركبهن لعدة ساعات تحت تهديد الكلاب البوليسية. إن هذا التوظيف المتعمد لقسوة الطبيعة يهدف إلى كسر الروح المعنوية وتحطيم الكيان الجسدي للأسير، وهو ما يتطلب تدخلاً دولياً عاجلاً لوقف هذه الجرائم وتوفير الحماية القانونية والإنسانية للأسرى.

مطالب المؤسسات الحقوقية لمواجهة الجرائم بحق الأسرى

تتمحور مطالب المؤسسات الحقوقية حول وقف “حرب الإبادة” وجرائم التعذيب الممنهجة، وتستند هذه المطالب إلى تفعيل الأدوات القانونية والدبلوماسية الدولية لملاحقة الاحتلال، وتتلخص في النقاط التالية:

الملاحقة القضائية والمحاسبة الدولية، حيث تتمثل بتفعيل الولاية القضائية العالمية، من مطالبة المؤسسات بملاحقة كافة المتورطين في جرائم التعذيب، وجرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية التي تُرتكب بحق الأسرى. والتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية، بتقديم الدعم الكامل لتحقيقات المحكمة، والعمل على تنفيذ مذكرات التوقيف الصادرة بحق المتورطين في الجرائم الدولية بحق الأسرى. والقيام بإجراء تحقيقات مستقلة ونزيهة في جميع حالات التعذيب والاستشهاد التي وقعت داخل السجون والمعسكرات.

-الضغط الدبلوماسي والاقتصادي، من مطالبة المؤسسات الدول والمجتمع الدولي بتعليق التعاون الدبلوماسي والعسكري والاقتصادي مع الاحتلال كأداة ضغط حتى يمتثل بشكل كامل لقواعد القانون الدولي.

-الحقوق القانونية والإجراءات المتعلقة بمنظومة الاعتقال، تتمثل بالإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع الأسرى السياسيين الفلسطينيين كجزء من مواجهة حرب الإبادة. وإنهاء الاعتقال الإداري ووقف هذه السياسة التي تُنفذ دون تهمة أو محاكمة للأسرى. بالإضافة إلى تفكيك نظام المحاكم العسكرية، الذي يُستخدم كأداة ضمن منظومة القمع ضد الفلسطينيين والذي يفتقر للعدالة.

-الرقابة والزيارات الدولية، السماح الفوري للمؤسسات الدولية والقانونية واللجنة الدولية للصليب الأحمر بزيارة الأسرى والمعتقلين (بمن فيهم معتقلو غزة المحرومون من الزيارات منذ بدء الحرب) للإطلاع على ظروف اعتقالهم المأساوية ووقف جريمة الإخفاء القسري. حيث تعتبر هذه المطالب صرخة قانونية لكسر حالة “التوحش” التي تمارسها منظومة السجون، والتي تهدف من خلالها المؤسسات إلى تحويل قضية الأسرى من شأن داخلي للاحتلال إلى قضية عدالة دولية ملحة، وتحويل القانون الدولي من نصوص نظرية إلى أدوات ضغط فعلية لحماية أرواح الأسرى.

انتهى

Skip to content