الأطفال يدفعون الثمن: احتجاز أموال المقاصة وانعكاسه على التعليم والصحة في فلسطين

الأطفال يدفعون الثمن: احتجاز أموال المقاصة وانعكاسه على التعليم والصحة في فلسطين

5/10/2026 –  مؤسسة الاتحاد من أجل العدالة

يشكّل احتجاز أموال المقاصة الفلسطينية واقتطاع أجزاء منها من قبل إسرائيل أحد أبرز مظاهر الأزمة المالية المزمنة التي تواجه السلطة الفلسطينية، وقد تحوّل هذا الإجراء، مع تكراره واستمراره، إلى عامل ضاغط على قدرة المؤسسات العامة الفلسطينية على الوفاء بالتزاماتها الأساسية تجاه السكان المدنيين. ولا تقتصر تداعيات هذه السياسة على الجانب المالي أو على قدرة الحكومة الفلسطينية على إدارة موازنتها، بل تمتد بصورة مباشرة وغير مباشرة إلى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وفي مقدمتها الحق في التعليم والحق في التمتع بأعلى مستوى ممكن من الصحة.

وتُعد أموال المقاصة أحد أهم مصادر الإيرادات العامة للسلطة الفلسطينية، وتشكل مورداً رئيسياً لتمويل النفقات العامة، بما في ذلك أجور الموظفين وتمويل القطاعات الحيوية والخدمات الأساسية. ولذلك فإن تعطيل تحويل هذه الإيرادات أو اقتطاع أجزاء منها ينعكس بصورة متسلسلة على قدرة المؤسسات العامة على الاستمرار في أداء وظائفها، ويضاعف من هشاشة الوضع الاقتصادي والاجتماعي للسكان، ولا سيما الفئات التي تعتمد بصورة أكبر على الخدمات العامة.

وخلال السنوات الماضية، واصلت إسرائيل احتجاز أموال المقاصة أو اقتطاع أجزاء منها استناداً إلى ذرائع سياسية وأمنية مختلفة، من بينها الاعتراض على بعض أوجه الإنفاق الفلسطيني، ولا سيما المخصصات المقدمة للأسرى والجرحى وعائلاتهم. وقد أدت هذه الإجراءات إلى تحويل الإيرادات العامة الفلسطينية إلى أداة ضغط سياسي ومالي، في وقت يفترض فيه أن تظل الموارد المخصصة للخدمات العامة منفصلة عن إجراءات الضغط التي قد تكون لها آثار مباشرة على السكان المدنيين.

وقد طالبت السلطة الفلسطينية بصورة متكررة بالإفراج عن أموال المقاصة كاملة ودون اقتطاعات، كما دعت الدول والجهات الدولية المانحة إلى التدخل للحد من تداعيات الأزمة المالية. إلا أن استمرار الأزمة أدى إلى تضييق هامش الحركة أمام المؤسسات العامة، ودفع الحكومة الفلسطينية إلى اتخاذ إجراءات مالية استثنائية بهدف إدارة النقص الحاد في السيولة والحد من اتساع العجز.

ومن أبرز مظاهر هذه الأزمة دفع رواتب الموظفين العموميين بصورة جزئية، وصلت في بعض الفترات إلى مستويات متدنية للغاية، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على الوضع الاقتصادي للأسر التي تعتمد على الوظيفة العامة. ولم يعد أثر هذه الإجراءات محصوراً في الموظف الحكومي، بل امتد إلى قطاعات واسعة من الاقتصاد المحلي، نتيجة انخفاض القدرة الشرائية وتراجع الاستهلاك وتراكم الالتزامات والديون، بما أدى إلى زيادة الضغوط على الأسر الفلسطينية وقدرتها على الوفاء باحتياجاتها الأساسية، بما في ذلك الغذاء والدواء والمواصلات والتعليم.

كما أسهمت الأزمة في إضعاف النشاط الاقتصادي الداخلي، إذ يؤدي انخفاض دخول الموظفين وانتظامها إلى تراجع الطلب على السلع والخدمات، ويؤثر في المؤسسات التجارية الصغيرة ومقدمي الخدمات، ويزيد من مستويات الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية. وبذلك تتحول أزمة الإيرادات العامة إلى أزمة ذات آثار مجتمعية واسعة، تتجاوز المؤسسات الحكومية لتطال الأسر والأطفال والعمال وأصحاب الأعمال والقطاعات الأكثر هشاشة.

التعليم في مواجهة الأزمة المالية

يُعد قطاع التعليم من أكثر القطاعات حساسية تجاه الأزمات المالية، نظراً لاعتماده على انتظام التمويل والأجور والموارد التشغيلية. ومع انطلاق العام الدراسي 2027-2026، واجه التعليم الفلسطيني تداعيات مالية انعكست على انتظام العملية التعليمية، في ظل أزمة الرواتب وشح الموارد وارتفاع الاحتياجات التشغيلية. وأدت الأزمة إلى اتخاذ ترتيبات استثنائية في دوام المعلمين والعاملين في قطاع التعليم، بما في ذلك تقليص أيام الدوام في بعض الحالات وتأجيل انتظام الدراسة، وهو ما أثار مخاوف جدية بشأن قدرة المدارس على تنفيذ الخطة التعليمية والمناهج الدراسية بصورة منتظمة. ولا ينبغي النظر إلى هذه الإجراءات بوصفها مجرد تدابير إدارية مؤقتة، إذ إن استمرارها قد يؤدي إلى تراكم فجوات تعليمية يصعب تعويضها، ولا سيما لدى الأطفال في المراحل الأساسية.

ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة في ظل وجود عوامل أخرى تضغط على النظام التعليمي الفلسطيني، من بينها القيود المفروضة على حرية الحركة، والحواجز العسكرية، وإغلاق الطرق، والاعتداءات التي يتعرض لها الطلبة والمعلمون في بعض المناطق، إضافة إلى المخاطر الأمنية المحيطة بعدد من التجمعات الفلسطينية.

وتؤدي هذه العوامل مجتمعة إلى زيادة صعوبة وصول الطلبة والمعلمين إلى المدارس، وقد تتسبب في تعطيل الدوام أو تقليصه، كما يمكن أن تدفع بعض الأسر إلى إبقاء أطفالها في المنازل خوفاً على سلامتهم. وفي المناطق التي تتعرض لاعتداءات المستوطنين أو لضغوط تؤثر في استقرار التجمعات السكانية، يصبح الوصول إلى التعليم المنتظم أكثر تعقيداً، بما يرفع مخاطر الانقطاع عن الدراسة والتسرب التعليمي.

ولا يجوز، من منظور حقوق الطفل، التعامل مع هذه التداعيات باعتبارها خسائر اقتصادية عابرة؛ فالحق في التعليم يرتبط ارتباطاً وثيقاً بحق الطفل في النمو والحماية والمشاركة في المجتمع، وأي اضطراب طويل الأمد في العملية التعليمية يمكن أن يترك آثاراً ممتدة على مستقبل الأطفال وفرصهم الاجتماعية والاقتصادية.

الصحة العامة تحت ضغط نقص التمويل

ولم يكن قطاع الصحة بمنأى عن تداعيات الأزمة المالية. فقد أدت محدودية الموارد المالية إلى زيادة الضغوط على المؤسسات الصحية الحكومية، وأثرت في قدرتها على توفير الأدوية والمستلزمات الطبية، واستقطاب الكوادر الطبية المتخصصة، وصيانة المعدات والأجهزة الحيوية، وضمان استمرارية الخدمات الصحية بالمستوى المطلوب.

وتزداد خطورة هذه التداعيات في ظل ارتفاع الاحتياجات الصحية للسكان وتراجع قدرة النظام الصحي على الاستجابة لها. فالنقص في الأدوية والمستهلكات الطبية لا يمثل مجرد مشكلة إدارية، بل يمكن أن يتحول إلى مسألة تمس بصورة مباشرة حياة المرضى وسلامتهم، ولا سيما المرضى الذين يحتاجون إلى علاج مستمر أو إلى أدوية لا يمكن الاستغناء عنها.

كما تواجه بعض المناطق المهمشة والنائية صعوبات إضافية في الوصول إلى خدمات الرعاية الصحية الأولية والمرافق الطبية المجهزة. ويضطر بعض المرضى، بمن فيهم الأطفال وكبار السن، إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى الخدمات المتخصصة، في ظل قيود الحركة وصعوبة التنقل وتدهور الظروف الاقتصادية للأسر.

ويُعد هذا التدهور الصحي أحد النتائج المباشرة والمتراكمة للأزمة المالية التي تعاني منها المؤسسات العامة، والتي تفاقمت بفعل استمرار احتجاز أموال المقاصة. غير أن تقييم الوضع الصحي يجب أن يأخذ في الاعتبار أيضاً العوامل الأخرى المؤثرة في النظام الصحي الفلسطيني، بما فيها القيود على الحركة، والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية، وتصاعد الاحتياجات الإنسانية، بما يجعل الأزمة المالية عاملاً مركزياً ضمن مجموعة من العوامل المتداخلة.

الأطفال في مواجهة آثار الأزمة

إن أخطر ما في الأزمة المالية لا يكمن فقط في حجم العجز في الموازنة العامة، وإنما في انتقال آثار هذا العجز إلى الحياة اليومية للسكان، وفي مقدمتهم الأطفال. فالطفل الذي لا يحصل على تعليم منتظم، أو يواجه صعوبة في الوصول إلى العلاج أو الدواء، أو يعيش في أسرة فقدت جزءاً كبيراً من قدرتها الشرائية بسبب عدم انتظام الدخل، يتحمل بصورة غير مباشرة تكلفة أزمة مالية وسياسية لا علاقة له بصنعها.

ومن هنا، فإن حماية الأطفال تقتضي عدم تحميلهم تبعات التدابير السياسية أو المالية التي تتخذها الأطراف المتنازعة. ويزداد الأمر خطورة عندما تتراكم آثار هذه التدابير على التعليم والصحة والغذاء والحماية الاجتماعية، بما قد يخلق آثاراً طويلة الأمد على النمو البدني والنفسي والتعليمي للأطفال.

كما أن استمرار الضغوط الاقتصادية والاجتماعية يمكن أن يعمق الشعور بعدم الاستقرار لدى الأسر، ويؤثر في قدرتها على التخطيط لمستقبل أطفالها، ويزيد من مستويات الفقر والهشاشة الاجتماعية، ويضعف قدرة المجتمع على توفير بيئة مستقرة وآمنة للأجيال الجديدة.

المقاصة بين الالتزام المالي والمسؤولية القانونية

من منظور القانون الدولي لحقوق الإنسان، تثير سياسات احتجاز أموال المقاصة والآثار المترتبة عليها إشكالات جدية تتعلق بمدى احترام الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للسكان المدنيين، ولا سيما الحق في التعليم والحق في التمتع بأعلى مستوى ممكن من الصحة.

ويكفل العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الحق في التعليم والحق في التمتع بأعلى مستوى ممكن من الصحة، كما تفرض اتفاقية حقوق الطفل التزامات خاصة بحماية الأطفال وضمان مصالحهم وحقوقهم الأساسية. ولا تعني هذه الحقوق أن الدولة ملزمة بتحقيق جميع النتائج بصورة فورية في كل الظروف، إلا أنها تظل ملزمة باتخاذ التدابير المناسبة، واستخدام أقصى ما تسمح به مواردها المتاحة، وضمان عدم التمييز، وحماية الفئات الأكثر ضعفاً.

كما أن مبدأ المصالح الفضلى للطفل يفرض أن تكون حماية الطفل وحقوقه عنصراً أساسياً في القرارات والسياسات التي تؤثر فيه. ومن ثم، فإن أي تدبير اقتصادي أو سياسي يؤدي بصورة متوقعة إلى حرمان أعداد كبيرة من الأطفال من التعليم أو الرعاية الصحية أو الاحتياجات الأساسية يجب أن يخضع لتقييم جدي من منظور حقوق الإنسان والقانون الدولي.

ولا يمكن، في هذا السياق، تقييم احتجاز أموال المقاصة بمعزل عن نتائجه العملية. فالمسألة لا تتعلق فقط بخلاف مالي حول حجم الإيرادات أو آلية تحويلها، وإنما بآثار هذه الإجراءات على قدرة المؤسسات العامة على توفير الخدمات الأساسية للسكان المدنيين.

يُعد توصيف هذه السياسة باعتبارها عقاباً جماعياً مسألة قانونية تتطلب النظر في طبيعة التدبير وغايته وآثاره والظروف المحيطة به. وتحظر المادة 33 من اتفاقية جنيف الرابعة العقوبات الجماعية، ويشمل الحظر التدابير العقابية التي تستهدف أشخاصاً بسبب أفعال لم يرتكبوها بصورة فردية. ومن ثم، فإن مجرد وجود أثر جماعي لا يكفي وحده لإثبات وصف «العقاب الجماعي» بالمعنى القانوني؛ بل يتعين، من بين عناصر أخرى، بحث ما إذا كان التدبير قد اتخذ بقصد معاقبة السكان أو الضغط عليهم بصورة جماعية بسبب أفعال لا يتحملون مسؤوليتها الفردية.

وعليه، فإن استمرار احتجاز الإيرادات التي يعتمد عليها تمويل الخدمات العامة، إذا ثبت أنه يُستخدم كوسيلة للضغط على السكان المدنيين أو لمعاقبتهم جماعياً، يمكن أن يثير مسألة التوافق مع الحظر الدولي للعقوبات الجماعية، فضلاً عن الالتزامات الأخرى الناشئة عن القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان. وهذا التقييم لا ينتقص من حق أي دولة في اتخاذ التدابير التي يجيزها القانون الدولي لمواجهة المخاطر الأمنية، لكنه يؤكد في الوقت نفسه أن الإجراءات المتخذة في سياق الاحتلال أو النزاع لا يمكن أن تكون منفصلة عن الالتزامات المتعلقة بحماية السكان المدنيين وعدم استهدافهم بصورة جماعية.

مسؤولية المجتمع الدولي

إن استمرار الأزمة المالية الفلسطينية لا يضع المسؤولية على عاتق المؤسسات الفلسطينية وحدها، بل يفرض أيضاً على المجتمع الدولي مسؤولية في حماية النظام العام والخدمات الأساسية للسكان المدنيين، بما يتفق مع قواعد القانون الدولي. ويتعين على الدول والجهات الدولية ذات الصلة العمل على ضمان عدم استخدام الموارد المالية اللازمة لتوفير الخدمات الأساسية للسكان المدنيين كوسيلة ضغط تؤدي إلى تقويض حقوقهم الأساسية. كما ينبغي تعزيز آليات الرقابة والشفافية المالية، وضمان وصول الموارد إلى القطاعات الحيوية، ولا سيما الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية.

وفي الوقت نفسه، فإن معالجة الأزمة لا ينبغي أن تقتصر على تقديم مساعدات مالية مؤقتة لتغطية العجز، بل يجب أن تتجه نحو معالجة الأسباب البنيوية التي تجعل المالية العامة الفلسطينية عرضة بصورة مستمرة للصدمات السياسية والإجراءات الخارجية. إن احتجاز أموال المقاصة الفلسطينية لم يعد قضية مالية محضة، بل أصبح جزءاً من أزمة أوسع تمس قدرة المؤسسات العامة على تقديم الخدمات الأساسية للسكان المدنيين. وتظهر آثار هذه الأزمة بصورة واضحة في التعليم والصحة، حيث يؤدي نقص التمويل إلى اضطراب العملية التعليمية، وزيادة الضغوط على الكوادر والمؤسسات الصحية، وتراجع القدرة على توفير الأدوية والمستلزمات والخدمات اللازمة، فيما تتحمل الأسر والأطفال جزءاً كبيراً من تكلفة هذه الأزمة.

ومن منظور حقوقي، فإن حماية الحقوق الأساسية لا ينبغي أن تتوقف عند حدود الأرقام والموازنات، بل يجب أن تشمل حماية الإنسان من الآثار غير المتناسبة للتدابير الاقتصادية والسياسية. ويكتسب ذلك أهمية مضاعفة عندما يتعلق الأمر بالأطفال، الذين يجب أن تكون مصالحهم الفضلى وحقوقهم الأساسية محوراً لأي سياسة أو تدبير يؤثر في حياتهم.

وعليه، فإن استمرار احتجاز أموال المقاصة يستوجب معالجة قانونية وحقوقية جادة تأخذ في الاعتبار طبيعة الإجراء وأهدافه وآثاره على السكان المدنيين. وإذا ثبت أن هذه الأموال تُحتجز أو تُقتطع بقصد ممارسة ضغط جماعي على السكان أو معاقبتهم على أفعال لا يتحملون مسؤوليتها الفردية، فإن ذلك يثير شبهة جدية بشأن حظر العقاب الجماعي، إلى جانب ما قد يترتب عليه من إشكالات تتعلق بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والقواعد الواجبة التطبيق في سياق الاحتلال.

وتؤكد مؤسسة الاتحاد من أجل العدالة أن حماية الحق في التعليم والصحة والعيش الكريم لا يمكن أن تكون رهينة للتجاذبات السياسية أو الإجراءات المالية الأحادية. ومن ثم، فإن المجتمع الدولي مطالب باتخاذ خطوات أكثر فاعلية لضمان حماية السكان المدنيين، والعمل على الإفراج عن الإيرادات الفلسطينية المستحقة، ومنع استخدامها بصورة تؤدي إلى تقويض الخدمات الأساسية، مع ضمان وجود آليات شفافة ومستقلة لمراقبة إدارة الموارد العامة.

إن القضية في جوهرها ليست قضية أموال فحسب، وإنما قضية حقوق وحياة ومستقبل مجتمع بأكمله؛ ولذلك فإن استمرار استخدام الموارد المالية العامة كأداة للضغط السياسي يقتضي مساءلة قانونية وحقوقية جدية، وضمان ألا يتحول العجز المالي إلى وسيلة تُدفع كلفتها من صحة الأطفال وتعليمهم وكرامة الأسر الفلسطينية.

انتهى

Skip to content