إلغاء إتفاقيات أوسلو والخليل وواي ريفر: نحو شرعنة الإحتلال المباشر وتقويض حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير

12/5/2026- مؤسسة الاتحاد من أجل العدالة

تقف القضية الفلسطينية اليوم على حافة منحدر هو الأخطر منذ نكبة عام 1948؛ فما يُناقش في أروقة الكنيست الإسرائيلي اليوم ليس مجرد بنود قانونية أو إجراءات إدارية، بل هو محاولة “اقتلاع” للجذور القانونية والسياسية التي منحت الفلسطينيين بصيص أمل في كيان مستقل.

إن التوجه لإلغاء اتفاقيات أوسلو، والخليل، وواي ريفر، هو في جوهره قرار بإعدام “المستقبل” والعودة بالزمن إلى ما قبل ثلاثين عاماً، حيث كان الفلسطيني مجرد “مقيم” تحت حكم عسكري مباشر، بلا تمثيل وبلا أمل في تقرير المصير. إن هذا التحرك يمثل زلزالاً سياسياً يهدف إلى تجريد الشعب الفلسطيني من مكتسباته الوطنية الضئيلة، وإعادة المنطقة إلى حقبة الحكم العسكري المباشر وشرعنة نظام الفصل العنصري.

لقد بدأت هذه الرحلة المثقلة بالخيبات مع اتفاقية أوسلو (1993 – 1995)، تلك التي قيل لنا حينها إنها “سلام الشجعان” كانت أوسلو بالنسبة للفلسطينيين هي البوابة التي عبر منها المقاتلون ليصبحوا بناة دولة، وهي حجر الزاوية الذي رُسمت بموجبه خرائط الأرض المقسمة إلى (أ، ب، ج). مناطق (أ) الخاضعة شكلياً لسيطرة السلطة، ومناطق (ب) ذات الإدارة المدنية الفلسطينية والأمن الإسرائيلي، ومناطق (ج) التي تشكل 60% من الضفة وتقبع تحت الأنياب الإسرائيلية الكاملة لكن الواقع اليوم يخبرنا أن هذا الحلم تحول إلى كابوس؛ فالمناطق التي كان من المفترض أن تكون سيادية أصبحت سجناً كبيراً يقطعه الاستيطان، واليوم تأتي فكرة  قرار الإلغاء ليقول للعالم إن اعتراف إسرائيل بمنظمة التحرير كان مجرد “حبر على ورق” انتهت صلاحيته، وأن الفتات الذي قُدم كـ “سلطة” سيُسحب بقرار من متطرفين يرون في الوجود الفلسطيني على أرضه “خطأً تاريخياً”.

ولم تكن اتفاقية الخليل (1997) إلا فصلاً آخر من فصول المعاناة؛ فالمكان الذي يضم رفات الأنبياء قُسم بالمسطرة والقهر بين (H1) و(H2)، ليعيش آلاف الفلسطينيين في قلب مدينتهم تحت رحمة بؤر استيطانية تخنق أنفاسهم. إن إلغاء  العمل في هذه الاتفاقية  يعني ببساطة إطلاق يد المستوطنين في الحرم الإبراهيمي والبلدة القديمة بلا ضابط ولا رادع، وإلغاء أي خصوصية أمنية أو إدارية كانت تمنح أهل الخليل نوعاً من الصمود الهش أمام تغول المستوطنين.

أما اتفاقية “واي ريفر” (1998)، فقد جاءت آنذاك بوصفها محاولة لإنعاش المسار السياسي، من خلال وعود بإنشاء ممر آمن يربط غزة بالضفة الغربية، وإقامة مطار فلسطيني، إلى جانب التزامات بانسحابات إسرائيلية إضافية. غير أن معظم بنود الاتفاقية تعطلت فعلياً منذ اندلاع الانتفاضة الثانية عام 2000، حين أعادت إسرائيل فرض سيطرتها الأمنية الكاملة على الأرض الفلسطينية، لتتحول الاتفاقية مع مرور الوقت إلى وثيقة مجمدة في أدراج السياسة الدولية.

واليوم، فإن التوجه نحو إلغائها رسمياً لا يمثل مجرد خطوة إجرائية أو قانونية، بل يشكل المسمار الأخير في نعش أي إمكانية لوجود تواصل جغرافي أو سياسي بين شطري الوطن الفلسطيني. فالخطورة الحقيقية لا تكمن فقط في تمزيق الاتفاقيات، وإنما في “اليوم التالي” لهذا القرار؛ إذ تسعى إسرائيل إلى شرعنة “الموت السريري” للمسار السياسي الذي بدأ في واشنطن عام 1993، وإغلاق الباب نهائياً أمام أي تصور لدولة فلسطينية مستقلة.

إن إقرار هذا التوجه سيعني عملياً إعلاناً إسرائيلياً بأن “لا سلطة، ولا دولة، ولا شريك فلسطيني”، وهو ما يفتح المجال لتحويل السلطة الوطنية الفلسطينية إلى كيان منزوع الشرعية والصلاحيات في نظر الاحتلال. كما سيمنح إسرائيل مساحة أوسع للتنصل من التزاماتها السياسية والاقتصادية، الأمر الذي يهدد بانهيار المؤسسات الفلسطينية، وتعطيل الخدمات الأساسية، ودفع ملايين الفلسطينيين نحو واقع سياسي وإنساني بالغ الهشاشة.

وفي ظل هذا المشهد، سيجد الفلسطينيون أنفسهم أمام عودة فعلية إلى نموذج الحكم العسكري المباشر، مع مدن معزولة، وأرض تُبتلع تدريجياً عبر سياسات الضم والتوسع الاستيطاني، وإنسان يُدفع نحو التهجير الصامت.

وبذلك، يبدو أن “حل الدولتين”، الذي شكل لعقود جوهر الإجماع الدولي، ينهار اليوم تحت ضربات اليمين الإسرائيلي المتطرف. إنها لحظة سياسية فارقة تختار فيها إسرائيل “الأرض” على حساب “السلام”، وتدفع المنطقة نحو واقع مفتوح على مواجهة طويلة، لا تحكمها الاتفاقيات ولا تردعها المواثيق الدولية. وفي حال إقرار هذا القانون، سيتحول الفلسطينيون – في المنظور القانوني الإسرائيلي – من شعب يسعى إلى تقرير مصيره، إلى مجرد “سكان خاضعين للإدارة المدنية والعسكرية”، كما كان الحال قبل اتفاق أوسلو عام 1993.

وإننا في مؤسسة الاتحاد من أجل العدالة، نؤكد أن صمت المجتمع الدولي، وعلى رأسه الأمم المتحدة والقوى الكبرى، إزاء محاولات إلغاء اتفاقيات دولية وُقعت برعاية وضمانات دولية، لا يمثل مجرد تقاعس سياسي، بل يعكس تراجعاً خطيراً في فاعلية منظومة القانون الدولي ومكانة الشرعية الدولية. فحين تُنقض الاتفاقيات بالقوة، دون مساءلة أو محاسبة، يصبح النظام القانوني الدولي بأسره عرضة للتآكل والانهيار.

ولم يعد كافياً الاكتفاء ببيانات القلق أو الإدانة الشكلية؛ إذ إن المرحلة الراهنة تتطلب موقفاً دولياً حازماً يُلزم دولة الاحتلال باحترام تعهداتها القانونية والسياسية، ويضع حداً لسياسات الضم والاستيطان التي تسعى إلى تحويل الضفة الغربية إلى جزر معزولة ومعازل بشرية تفتقر لأبسط مقومات الحياة والسيادة.

إن العالم اليوم يقف أمام اختبار تاريخي وأخلاقي حقيقي: إما الانتصار لمبادئ الشرعية الدولية، وحماية حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، أو القبول بواقع يقوم على تكريس الاحتلال ونظام الفصل العنصري، بما يحمله ذلك من تداعيات خطيرة ستقوض فرص السلام والاستقرار في الشرق الأوسط لعقود قادمة.

انتهى

Skip to content