
بعد قرار كولومبيا.. ما مصير دعوى الإبادة ضد إسرائيل؟
29/9/2026- مؤسسة الاتحاد من أجل العدالة
أثار قرار جمهورية كولومبيا سحب إعلان تدخلها في الدعوى التي رفعتها جنوب أفريقيا ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية تساؤلات حول مصير القضية، وما إذا كان القرار يؤثر في المسار القضائي المتعلق بالحرب في غزة. غير أن الصورة، من الناحية القانونية، أكثر وضوحًا مما يبدو.
فكولومبيا لم تنسحب من الدعوى، لأنها ليست صاحبتها أصلًا. جنوب أفريقيا هي التي أقامت القضية ضد إسرائيل بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، أما كولومبيا فقد قدّمت في أبريل/نيسان 2024 إعلانًا للتدخل في القضية بموجب المادة 63 من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية. وعليه، فإن سحب هذا الإعلان ينهي مشاركة بوغوتا في هذا الإطار، لكنه لا يُسقط الدعوى ولا ينهي إجراءاتها أمام المحكمة. كما أنه لا يلغي التدابير المؤقتة التي سبق أن أصدرتها المحكمة، ولا يشكّل حكمًا في موضوع الاتهامات التي قدمتها جنوب أفريقيا، إذ يبقى الفصل في أصل الدعوى من اختصاص المحكمة وحدها.
على أن أهمية الخطوة تتجاوز الجانب القانوني إلى البعد السياسي. فقد قُدّم التدخل الكولومبي عام 2024 في عهد الرئيس السابق غوستافو بيترو، بينما يأتي سحبه بعد تغيّر القيادة السياسية في البلاد واتجاه بوغوتا إلى إعادة بناء علاقاتها مع إسرائيل وتعزيزها. وهو ما يعكس مدى تأثير تبدّل الحكومات والتوجهات السياسية في مستوى دعم الدول لمسارات التقاضي الدولي.
وهنا تظهر مفارقة مهمة: تستطيع الحكومات أن تغيّر سياساتها ومواقفها، لكن ذلك لا يؤدي تلقائيًا إلى زوال الالتزامات الدولية المترتبة على الدولة. وقد أكدت الخارجية الكولومبية نفسها أن سحب إعلان التدخل لا يغيّر وضع كولومبيا دولةً طرفًا في اتفاقية منع الإبادة الجماعية، ولا يؤثر في نطاق التزاماتها بموجبها أو في قوتها الملزمة.
ويأتي القرار الكولومبي في لحظة تتزايد فيها الضغوط السياسية على مؤسسات العدالة الدولية. ففي 22 سبتمبر/أيلول 2026، دعا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، الدول الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية إلى الانسحاب منها. وهو تصعيد يتجاوز العقوبات التي فرضتها إدارته سابقًا على قضاة ومسؤولين في المحكمة، إلى الدعوة صراحةً لتقليص عضويتها وعزلها دوليًا.
ومن المهم في هذا السياق عدم الخلط بين المؤسستين. فمحكمة العدل الدولية، التي تنظر في دعوى جنوب أفريقيا ضد إسرائيل، تختص بالنزاعات القانونية بين الدول. أما المحكمة الجنائية الدولية، التي تستهدفها الإجراءات الأمريكية، فتختص بالمسؤولية الجنائية للأفراد عن جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب وغيرها من الجرائم الداخلة في اختصاصها.
ورغم اختلاف المحكمتين في الاختصاص والبنية، فإن تزامن سحب كولومبيا تدخلها أمام محكمة العدل الدولية مع تصاعد الحملة الأمريكية ضد المحكمة الجنائية الدولية يسلّط الضوء على قضية أوسع، هي مدى تأثر مسارات العدالة الدولية بتغيّر الحكومات وموازين القوى والضغوط السياسية.
ويبقى السؤال الأهم مطروحًا: إلى أي مدى تستطيع مؤسسات القضاء الدولي الحفاظ على استقلالها والاستمرار في أداء مهامها، حين تصل القضايا إلى ملفات تتقاطع مع مصالح الدول الكبرى وحلفائها؟
انتهى