سياسات الإغلاق والعقاب الجماعي في نفق بدو – الجيب شمال غرب القدس نموذجاً

16/6/2026- مؤسسة الاتحاد من أجل العدالة

تواجه منطقة شمال غرب القدس واقعاً مريراً يترجم سياسة السيطرة والتحكم بالمصير عبر أدوات الهندسة الجغرافية والمصائد الأمنية. فقد عمدت سلطات الاحتلال إلى التحكم الكامل بمدخل النفق الواصل بين بلدتي بدو والجيب، وهو الممر الذي يمثل الشريان الحيوي والوحيد لقرى وبلدات المنطقة كافة، ويخدم تجمعاً سكانياً ضخماً يتراوح عدد أفراده بين 50 و70 ألف نسمة.

هذا الإجراء المستحدث ما هو إلا نموذج واحد من آلاف نقاط التحكم والحواجز العسكرية المنتشرة في الضفة الغربية، والتي باتت أشبه بشبكة عنكبوتية تخنق المواطنين وتعيق حركتهم اليومية. إن حصر حركة هذه الآلاف من المواطنين، في مسار واحد ضيق تحت الأرض يعكس إصراراً على جعل تفاصيل الحياة اليومية لمنطقة كاملة مرهونة بنقطة اختناق واحدة، بعد أن فرضت السياسات الاستيطانية وجدار الفصل العنصري إغلاق كافة المداخل التاريخية البديلة لهذه البلدات، ليتحول النفق من وسيلة تنقل طبيعية إلى أداة عقاب جماعي تهدد حرية الحركة بشكل دائم.

ويعمد الاحتلال بانتظام إلى إغلاق هذا الممر لساعات طويلة وممتدة بذريعة إجراء أعمال الصيانة الفنية، أو تركيب كاميرات المراقبة والأنظمة الأمنية، وتارة أخرى بذريعة الأوضاع الأمنية، مما يتسبب في تعميق المعاناة الإنسانية بشكل غير مسبوق.

 هذا الإغلاق المتكرر يعني عزل قرى وبلدات شمال غرب القدس عن محيطها بشكل فجائي، مما يُدخل قطاع التعليم في دوامة من الأزمات المتلاحقة، ويتجلى هذا الأثر التدميري على المسيرة التعليمية بشكل مباشر ومستمر من خلال حرمان آلاف الطلبة والمعلمين من الوصول إلى مدارسهم وجامعاتهم في المدن والمناطق المحيطة.

إن هذا التحكم العسكري يحول العملية التعليمية برمتها إلى رهينة لمزاجية جنود الاحتلال، مما يؤدي إلى إرباك المسيرة الأكاديمية ونشر حالة من الأعباء النفسية والقلق الدائم بين الطلبة وأولياء أمورهم، وهو ما يفرغ الحق في التعليم من مضمونه ويقوض الاستقرار التربوي والنفسي للأجيال الناشئة في تلك البلدات التي لا يضمن أهلوها قدرتهم على قضاء مصالحهم اليومية أو العودة إلى منازلهم.

وينعكس هذا التقييد الجغرافي والإغلاق المستمر لساعات طويلة بشكل كارثي على الوضع الصحي للمواطنين؛ إذ إن منع المرور يحول دون وصول الحالات الطبية الطارئة والحرجة، كالنساء الحوامل ومرضى الكلى والقلب، إلى المستشفيات والمراكز الطبية الرئيسية في المدن. وتتحول المنطقة بأكملها إلى ما يشبه المعتقل الكبير الذي يُحتجز فيه آلاف المواطنين فعلياً، حيث يصبح الجميع بلا استثناء تحت رحمة جندي واحد يتحكم في دخولهم وخروجهم، وإن وضع مصير المدنيين معلقاً بقرار عسكري عند مدخل النفق يعني أن تأخير سيارة إسعاف لعدة دقائق قد يكون فارقاً حاسماً بين الحياة والموت، مما يمثل تدهوراً خطيراً في المنظومة الطبية، وإمعاناً في سياسة الإهمال الطبي القسري الناجم عن الحصار.

وتشير مؤسسة الاتحاد من أجل العدالة إلى أن هذه الممارسات الممنهجة تشكل انتهاكاً صريحاً للمادة 33 من اتفاقية جنيف الرابعة، والتي تحظر بشكل قاطع العقوبات الجماعية وجميع تدابير التخويف والإرهاب ضد الأشخاص المحميين تحت الاحتلال. كما يتنافى هذا الإغلاق والتحكم العسكري مع المادة 13 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي تكفل لكل فرد حرية التنقل واختيار محل إقامته داخل حدود الدولة، فضلاً عن انتهاكه الواضح للمادة 12 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والتي تلزم الدول بتأمين الرعاية الطبية والوصول الحر للمرافق الصحية والخدمات الأساسية دون عوائق عسكرية أو جغرافية مصطنعة.

بناءً على هذا الواقع المرير، فإن مؤسسة الاتحاد من أجل العدالة تطالب المجتمع الدولي والمؤسسات الحقوقية العالمية بالتدخل الفوري لإنهاء هذا الحصار الجغرافي المفروض على المنطقة، وإلزام سلطات الاحتلال بوقف سياسة الإغلاق المتكرر لساعات طويلة تحت حجج واهية، وفتح كافة الطرق المغلقة والحواجز في الضفة الغربية.

 وتشدد المؤسسة على ضرورة توفير الحماية الدولية للمدنيين الفلسطينيين وضمان حريتهم الكاملة في التنقل والوصول إلى الخدمات الحيوية كالتعليم والرعاية الصحية دون قيد أو شرط، والكف فوراً عن تحويل القرى والبلدات الآمنة إلى معازل وسجون جماعية تخنق الحياة اليومية للمواطنين وتصادر أبسط حقوقهم الإنسانية.

انتهى

Skip to content