هندسة الإبادة: كيف يُعاد رسم جغرافيا قطاع غزة بالقوة والدمار

هندسة الإبادة: كيف يُعاد رسم جغرافيا قطاع غزة بالقوة والدمار

09/5/2026- مؤسسة الاتحاد من أجل العدالة

لم تعد حرب قطاع غزة مجرد جولة من المواجهات العسكرية، بل استحالت مشروعاً استراتيجياً لإعادة تشكيل الجغرافيا الفلسطينية وفرض واقع ميداني جديد؛ حيث برز ما يُعرف بـ “الخط الأصفر” كشريط أمني عازل يمتد من شمال القطاع إلى جنوبه بعمق يتراوح بين 2 إلى 7 كيلومترات. هذا الخط الذي استقطع فعلياً نحو 58% من مساحة القطاع الكلية، بات تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة منذ أكتوبر 2025، وشهد عمليات مسح شاملة طالت الحجر والبشر واقتلعت الأخضر واليابس. ولم يتوقف الأمر عند التدمير، بل جرى تعزيز هذه الحدود الجديدة المفروضة بالقوة عبر حفر خنادق عميقة وإنشاء سواتر ترابية ضخمة، تهدف إلى عزل القطاع تماماً عن محيطه وتحويل المناطق المهجرة إلى ساحات عسكرية مغلقة.

وتشير التطورات الحالية إلى انتقال الاحتلال لمرحلة أكثر اتساعاً تُعرف بـ “الخط البرتقالي”، وهو المخطط الذي يهدف إلى قضم مساحات إضافية تقدر بنحو 34 كيلومتراً مربعاً (أي 11% إضافية من مساحة غزة). وبدمج هذه المناطق مع نطاق “الخط الأصفر”،  حيث تصبح نسبة الأراضي الواقعة تحت الاحتلال المباشر نحو 64% من إجمالي مساحة القطاع.

 إن هذا التوسع المنهجي يمثل خرقاً فاضحاً لاتفاق وقف إطلاق النار الموقع في أكتوبر 2025، حيث لم تتوقف الدماء عن السيلان، وسجلت الإحصائيات أكثر من مئة منذ بداية تلك الهدنة المزعومة، سواء برصاص الاحتلال المباشر، مما يؤكد أن الاستراتيجية الإسرائيلية تقوم على “الإبادة والمسح التدريجي” تحت غطاء من الهدوء الزائف.

 إن هذا التحول الجغرافي الكارثي حشر أكثر من 2.5 مليون فلسطيني في مساحة ضيقة جداً لا تتجاوز 150 كيلومتراً مربعاً (حوالي 36% فقط من مساحة القطاع)، في ظل دمار كامل للبنية التحتية وانهيار شامل للخدمات. وفي هذا الاكتظاظ الذي يفوق القدرة البشرية على الاحتمال، لم يعد هناك متسع حتى لنصب خيمة، ليعيش السكان واقعاً مريراً من النزوح المتكرر وفقدان المأوى.

 إن الانتقال من الخط الأصفر إلى الخط البرتقالي يجسد رؤية الاحتلال لإعادة رسم غزة بالقوة وفرض واقع أمني يصعب تغييره؛ وهو ما تستهجنه “الإتحاد من أجل العدالة”، محذرة من أن استمرار الحصار والتجويع والاحتلال الفعلي يهدف إلى تدمير مقومات الحياة الفلسطينية وتهجير من تبقى من البشر بعد دمار كل حجر.

وعلى الصعيد السياسي والدولي، جاء موقف الاتحاد الأوروبي حازماً في رفضه لهذه المخططات؛ حيث أعلن الاتحاد في بياناته الرسمية رفضه القاطع لأي تغيير في مساحة قطاع غزة أو اقتطاع أجزاء منه لإنشاء مناطق عازلة. وشدد الاتحاد الأوروبي على أن غزة وحدة جغرافية واحدة وجزء لا يتجزأ من الدولة الفلسطينية المستقبليّة، مؤكداً أن إنشاء “الخط الأصفر” أو “الخط البرتقالي” وما يتبعهما من تدمير المربعات السكنية واقتلاع للزراعة، هي إجراءات تفتقر للشرعية الدولية وتعرقل أي فرص للسلام الاستراتيجي، كما أنها تمثل انتهاكاً للالتزامات الدولية المفروضة على إسرائيل كقوة احتلال، وخرقاً للتفاهمات الدولية التي أُقرت في أكتوبر 2025.

بناءً على ذلك، ترى مؤسسة “الإتحاد من أجل العدالة” أن هذا الواقع المفروض بالقوة لا يمثل خرقاً ميدانياً فحسب، بل هو “جريمة مستمرة” تتطلب تحركاً جنائياً دولياً فورياً. إن سياسة “مسح غزة” وتحويلها إلى مناطق أمنية هي محاولة لشرعنة الاحتلال الفعلي لـ 64% من أراضي القطاع، وهو ما يتنافى مع كافة المواثيق الدولية، ويضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية تاريخية لوقف الانهيار القانوني والإنساني الذي يعيشه أكثر من 2.5 مليون إنسان محاصرين في 36% فقط من أرضهم.

انتهى

Skip to content