تحت مجهر العدالة: سياسات الاقتلاع والتجهيل القسري في التجمعات الفلسطينية المهددة

24/4/2026- مؤسسة الاتحاد من أجل العدالة

تحت وطأة سياسة ممنهجة تستهدف اقتلاع الإنسان من جذوره، يواجه قطاع التعليم في فلسطين اليوم معركة وجودية تتجاوز حدود الكتاب والقلم لتصبح صراعاً مريراً من أجل البقاء، فالمشهد القائم اليوم في الأغوار ومسافر يطا وقرى التماس يعكس حالة من الإبادة التعليمية الناعمة التي تُمارس تحت بصر العالم، حيث تبتلع الجرافات والأسلاك الشائكة أحلام جيل كامل، ويتحول الطريق إلى غرفة صفية اضطرارية والأرض القاحلة إلى مقعد دراسي وحيد، وهو ما يتجلى بوضوح في خربة أم الخير جنوب الخليل، حيث يمر اليوم العاشر على التوالي والأطفال محرومون من الوصول إلى مدارسهم بسبب الحصار الذي فرضه المستوطنون بوضع الأسلاك الشائكة على الطرق الرئيسية، بل وتجاوز الأمر مجرد المنع الفيزيائي إلى الاعتداء الجسدي المباشر، حيث تعرض الأطفال لإطلاق قنابل الغاز السام المسيل للدموع أثناء محاولاتهم الوصول إلى صفوفهم أو احتجاجهم السلمي على إغلاق طريقهم، مما أدى لإصابة العديد منهم بحالات اختناق وترهيب نفسي عميق، في محاولة بائسة لكسر إرادة جيل كامل  يصر طلابه في الثانوية العامة على افتراش التراب وتأدية امتحاناتهم في العراء، مؤكدين أن المعرفة لا تُحجز خلف السياج وأن الحق في التعليم مقدس لا يقبل المساومة.

ويتزامن هذا الحصار والاعتداء بالغاز مع جريمة تدميرية شاملة طالت مدرسة المالح الأساسية المختلطة في الأغوار الشمالية، حيث نفذت السلطات عملية محو كاملة للمنشأة لم تترك فيها حجراً على حجر، شملت هدم الغرف الصفية وتفكيك شبكات المياه والكهرباء والمرافق الصحية، وصولاً إلى مصادرة الأثاث والمواد التعليمية، ليبقى مبنى أثري مستأجر وحيداً وشاهداً على محاولة اقتلاع الوجود الفلسطيني من تلك المنطقة، ضمن سياسة تهدف إلى تجريد السكان من أدنى مقومات الحياة الكريمة لدفعهم نحو الرحيل القسري وتجهيل اجيالهم القادمة، وهو ما ينسجم مع نهج التمييز العنصري الذي يعزز رفاهية المستوطنات المقابلة على حساب سلب أصحاب الأرض حقهم في التنمية والاستقرار التعليمي، مما يضع مئات الأطفال أمام خيارات قاسية تهدد مستقبلهم الأكاديمي أو انتمائهم الجغرافي.

إن هذا العدوان الممنهج قد اتخذ منحى دموياً يندى له الجبين في قرية المغير، حيث لم تكتفِ الاعتداءات بمحاصرة المدارس، بل وصلت إلى حد تصفية الطفولة بدم بارد، كما حدث في واقعة استشهاد الطفل أوس النعسان برصاص المستوطنين عقب هجوم استهدف مدرسته، في مأساة تعيد إنتاج الألم العائلي حيث كان والده قد استشهد هو الآخر قبل سنوات برصاص المستوطنين، مما يؤكد أن الطالب الفلسطيني يواجه اليوم خطراً مزدوجاً يتمثل في هدم مدرسته واستنشاق الغاز السام من جهة، واستهداف حياته برصاص مباشر من جهة أخرى، وهو ما يحول المؤسسات التعليمية إلى مناطق استهداف عسكري مستباحة، ويبرهن على أن سياسة الاقتلاع تسعى لإبادة الأجيال التي تحمل إرادة الاستمرار، في خرق صارخ لكل المواثيق الدولية التي كفلت حماية الأطفال وضمان أمنهم الشخصي والتعليمي.

من الناحية القانونية، تشدد مؤسسة الاتحاد من أجل العدالة على أن هذه الممارسات المتكاملة، من حصار واستهداف أطفال أم الخير بالغاز وتدمير مدرسة المالح واغتيال الطفولة في المغير، تمثل انتهاكاً جسيماً لاتفاقية جنيف الرابعة التي تُلزم القوة المحتلة بتأمين التعليم وحماية المؤسسات التربوية، وتتعارض كلياً مع المادة (26) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان واتفاقية حقوق الطفل الدولية، وهي جرائم حرب مكتملة الأركان تندرج ضمن سياسات التطهير العرقي والتهجير القسري التي تستوجب ملاحقة مرتكبيها أمام المحاكم الدولية فوراً، إذ لا يمكن اعتبار استهداف المدارس وقتل الطلاب أو تسميم هوائهم بالغاز حوادث عرضية، بل هي جزء من عقيدة تهدف لتفريغ الأرض عبر الترهيب والتجهيل.

وبناءً على هذه المعطيات الخطيرة، ترفع مؤسسة الاتحاد من أجل العدالة نداء استغاثة عاجل إلى الأمم المتحدة واليونسكو واليونيسيف وكافة الهيئات الحقوقية، بضرورة التدخل الميداني الفوري لفتح طرق أم الخير وتأمين وصول الطلاب، وإعادة إعمار مدرسة المالح، وتوفير حماية دولية فعلية للمدارس في قرى التماس، معتبرين أن الصمت الدولي هو بمثابة غطاء لاستمرار هذه الجرائم، وأن الاختبار الحقيقي لمصداقية حقوق الإنسان في العالم يبدأ من ضمان حق الطفل الفلسطيني في الوصول إلى مدرسته بسلام بعيداً عن الأسلاك الشائكة، وقنابل الغاز، وفوهات البنادق.

انتهى

Skip to content