الإتحاد من أجل العدالة: يناقش دور الأمم المتحدة وآليات الحماية الدولية لضحايا الاختفاء القسري في النزاع اليمني

2026/04/14- مؤسسة الإتحاد من أجل العدالة

تشكل جريمة الاختفاء القسري في اليمن انتهاكاً صارخاً ومعقداً لمجموعة من الضمانات والحقوق القانونية الأساسية التي أقرها القانون الدولي لحقوق الإنسان، وهي جريمة لا تمس الفرد المختفي فحسب، بل تمتد آثارها لتسبب معاناة نفسية واجتماعية حادة لأسرته ومجتمعه. وتتجسد آليات الحماية الدولية من خلال منظومة متكاملة تقودها منظمة الأمم المتحدة، حيث تعد الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، التي اعتمدتها الجمعية العامة في عام 2006، أول وثيقة دولية ملزمة تُعنى حصرياً بهذه الجريمة من حيث التعريف والتجريم والوقاية. وتؤكد هذه الاتفاقية أن الاختفاء القسري قد يرتقي إلى مستوى الجريمة ضد الإنسانية إذا ارتكب بشكل واسع النطاق أو منهجي، مما يجعله فعلاً لا يسقط بالتقادم ويخضع لاختصاص المحكمة الجنائية الدولية. وبالرغم من أن الحكومة اليمنية قد أبدت موافقة رسمية على الانضمام لهذه الاتفاقية بقرار صادر عن مجلس الوزراء في عام 2013، إلا أن اليمن لم تتم حتى الآن إجراءات التصديق القانونية اللازمة لجعله طرفاً رسمياً فيها، وهو ما يبقي الدولة خارج الإطار القانوني الملزم لأحكامها الدولية رغم تواتر التقارير عن استمرار هذه الجرائم خلال النزاع القائم.

ويعتبر مجلس الأمن الدولي أحد أبرز أجهزة الأمم المتحدة الفاعلة في فرض احترام قواعد القانون الدولي الإنساني من خلال صلاحياته الواسعة التي تتيح له ممارسة الضغط على أطراف النزاع، أو فرض عقوبات اقتصادية، أو حتى إحالة القضايا إلى المحكمة الجنائية الدولية لضمان المساءلة. وفي السياق اليمني، أصدر المجلس عدة قرارات، منها القرار رقم 2216 لعام 2015 الذي دعا جماعة أنصار الله إلى الإفراج عن جميع المحتجزين تعسفياً واحترام قانون حقوق الإنسان، إلا أن دور المجلس واجه انتقادات لتركيزه على المقاربة السياسية والأمنية دون تفعيل آليات حقيقية للمساءلة بشأن الاختفاء القسري. ومن التطورات الهامة في هذا الإطار تبني المجلس للقرار رقم 2474 لعام 2019، وهو أول قرار مخصص لقضية المفقودين في النزاعات المسلحة، حيث حث أطراف النزاع على اتخاذ تدابير لمنع وقوع الأشخاص في عداد المفقودين وتيسير البحث عنهم وإعادة رفاتهم إلى ذويهم.

وتتكامل هذه الجهود مع الدور الرقابي والاستقصائي لمجلس حقوق الإنسان، الذي أنشأ في عام 2017 فريق الخبراء البارزين (GEE) لرصد وتوثيق الانتهاكات في اليمن، وقد وثق هذا الفريق لجوء كافة أطراف النزاع إلى الاختفاء القسري بحق المدنيين والناشطين كأداة لترهيب الخصوم. وبالرغم من أن عدم تجديد ولاية هذا الفريق في عام 2021 مثل انتكاسة لجهود الرقابة الدولية، إلا أن آليات أخرى مثل الفريق العامل المعني بحالات الاختفاء القسري أو غير الطوعي تواصل عملها من خلال تلقي البلاغات من أسر الضحايا وحث السلطات على الكشف عن مصير المختفين. وقد قام هذا الفريق العامل بإحالة عشرات الحالات إلى سلطات الأمر الواقع في صنعاء، كما وجه رسائل ادعاء مشتركة للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً تنتقد قصور الآليات الوطنية في توفير الجبر والتعويض الفعال للضحايا والتحقيق في الانتهاكات.

علاوة على ذلك، تبرز آلية الاستعراض الدوري الشامل كأداة هامة، حيث تلقت اليمن خلال دوراتها المتعاقبة توصيات مستمرة بضرورة التصديق على الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، وقد أعلنت الحكومة اليمنية في تقاريرها الوطنية عن محاولات لإعداد تشريعات خاصة بالمفقودين، إلا أن تعطل مؤسسات الدولة والبرلمان حال دون إقرارها. إن تفعيل هذه الآليات الدولية وضمان استقلاليتها يظل ضرورة استراتيجية لكسر دائرة الإفالت من العقاب، خاصة في ظل استمرار الأطراف في إنكار وجود المحتجزين لديهم، مما يتطلب دمج قضية الاختفاء القسري في أي مسار مستقبلي للعدالة الانتقالية يضمن كشف الحقيقة والتعويض وإعادة الدمج الاجتماعي للضحايا.

إن نظام الحماية الدولية لضحايا الاختفاء القسري يشبه شبكة أمان عالمية تهدف إلى منع سقوط الأفراد في ثقوب النزاعات المظلمة، حيث تعمل الأمم المتحدة وأجهزتها كمنارات قانونية تحاول تسليط الضوء على المصائر المعلقة في أقبية الاحتجاز السري لإعادتها إلى حيز الوجود القانوني والإنساني.

دور مجلس الأمن في قضايا الاختفاء القسري باليمن

يبرز دور مجلس الأمن الدولي من خلال فريق الخبراء المعني باليمن، المنشأ بموجب القرار رقم 2140، والذي يضطلع بمهام محورية في رصد وتوثيق حالات الاختفاء القسري بوصفها أداة لعرقلة العملية الانتقالية في البلاد، وقد وثقت تقارير هذا الفريق لجوء كافة أطراف النزاع، بما في ذلك جماعة أنصار الله والحكومة المعترف بها دولياً والمجلس الانتقالي، إلى استخدام الاختفاء القسري والاحتجاز التعسفي كسياسة منهجية لترهيب الخصوم والمدنيين على حد سواء. وتكمن الأهمية القانونية لهذه التقارير في أنها تضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته الجنائية، حيث أشارت التحقيقات إلى أن بعض هذه الانتهاكات قد ترتقي إلى مستوى جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية إذا ما ارتكبت بشكل واسع أو منهجي، ومع ذلك، فإن القصور في الإرادة السياسية الدولية، الذي تجسد في عدم تجديد ولاية فريق الخبراء البارزين (GEE) التابع لمجلس حقوق الإنسان في عام 2021، قد خلق فجوة في آليات الرقابة المستقلة، مما جعل الاعتماد على الآليات الدولية الأخرى مثل مجلس الأمن يصبح أكثر إلحاحاً لضمان عدم إفلات الجناة من العقاب.

وعلى صعيد المساءلة الجنائية الدولية، تبرز التوصيات القانونية بضرورة قيام مجلس الأمن الدولي بإحالة الوضع في اليمن إلى المحكمة الجنائية الدولية، لضمان ملاحقة المسؤولين عن جرائم الاختفاء القسري التي لا تسقط بالتقادم وفقاً لنظام روما الأساسي. وبالرغم من أن اليمن قد وقعت على نظام روما في عام 2000 إلا أنها لم تصادق عليه بعد، مما يجعل تدخل مجلس الأمن عبر آلية الإحالة ضرورة قانونية لكسر حاجز الحصانة الوطنية التي يتمتع بها مرتكبو الانتهاكات، وتزداد هذه الضرورة إلحاحاً عند النظر في قصور التشريعات الوطنية اليمنية، التي لم تفرد حتى الآن نصاً قانونياً خاصاً يجرم الاختفاء القسري كجريمـة مستقلة بمسماها الدولي، بل تكتفي بالتعامل معها كوقائع “حجز حرية” أو “اختطاف” ضمن قانون الجرائم والعقوبات، وهو ما لا يتناسب مع جسامة وطبيعة هذه الجريمة المستمرة. إن دمج هذه الانتهاكات ضمن اختصاص القضاء الدولي أو إنشاء آلية جنائية دولية ذات ولاية قضائية، سيساهم في كشف الحقيقة وضمان حقوق الضحايا في الإنصاف وجبر الضرر. وبناءً على ذلك، تظل المطالبة بالمصادقة الفورية على الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري حجر الزاوية في أي مسار إصلاحي مستقبلي، حيث سيلزم ذلك الدولة اليمنية بإنشاء سجلات مركزية للمحتجزين وتفعيل الرقابة القضائية الدائمة على جميع مرافق الاحتجاز، بما يمنع تحول مراكز التوقيف إلى ثقوب سوداء تختفي فيها المصائر البشرية.

إن آليات الحماية الدولية تشبه المجهر القانوني الذي يحاول كشف ما يجري في عتمة الزنازين السرية؛ فبدون الضوء الذي تسلطه الأمم المتحدة، تظل جريمة الاختفاء القسري وسيلة ناجحة للجناة لطمس الحقيقة، ولكن عبر تفعيل هذه الأدوات، يتحول الصمت الدولي إلى صوت صارخ يطالب بالعدالة لكل “مصير معلق” في تاريخ اليمن المعاصر.

ومن التوصيات القانونية الموجهة للمجتمع الدولي على ضرورة قيام مجلس الأمن بإحالة الوضع في اليمن إلى المحكمة الجنائية الدولية لضمان المساءلة عن جرائم الاختفاء القسري التي لا تسقط بالتقادم وفقاً لنظام روما الأساسي. ويأتي ذلك في ظل قصور التشريعات الوطنية اليمنية التي لم تفرد نصاً قانونياً خاصاً يجرم الاختفاء القسري كجريمة مستقلة، بل تكتفي بالتعامل معها كوقائع “حجز حرية” أو “خطف” بعقوبات لا تتناسب مع جسامة الفعل. لذا، فإن الضغط المستمر للمصادقة على الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري يظل ضرورة ملحة لإلزام الدولة بإنشاء سجلات مركزية للمحتجزين وتفعيل الرقابة القضائية، وضمان دمج هذه القضية في أي مسار مستقبلي للعدالة الانتقالية يشمل كشف الحقيقة والتعويض وإعادة الدمج الاجتماعي للضحايا. إن تضافر جهود التوثيق الميداني مع آليات الرقابة الدولية يشكل مجهراً قانونياً يسلط الضوء على الأماكن المظلمة، محولاً الصمت الدولي إلى قوة ضاغطة تسعى لانتشال الضحايا من غياهب النسيان وإعادتهم إلى حيز الوجود القانوني والإنساني.

انتهى

Skip to content