
تساؤلات حول الدوافع وخشية من تمدد صلاحيات الرئيس وتغول السلطة التنفيذية وإنهاء دور منظمة التحرير
26/2/2026-مؤسسة الاتحاد من أجل العدالة
بعد مضي نحو أسبوعين على نشر “مسودة الدستور الفلسطيني”، تعالت الأصوات الناقدة والمؤيدة لهذا المشروع، فبين من رأى فيه خطوة هامة نحو الانتقال من السلطة إلى الدولة، وبين من رأى في نصوصه العديد من الثغرات التي ترسخ صلاحيات الرئيس على حساب البرلمان المنتخب، وتثبيت السلطة الفلسطينية على حساب الإطار الأكبر (منظمة التحرير الفلسطينية) واستقواء السلطة التنفيذية على السلطتين التشريعية والقضائية.
وبين هذا الرأي وذاك يرى فريق ثالث أن توقيت النشر يأتي في سياق الاستجابة لضغوط دولية وخارجية ما لبثت في كل مناسبة دعوة قيادة السلطة الفلسطينية لإجراء إصلاحات وضخ دماء جديدة في جسد السلطة المتهالك نتيجة إجراءات الاحتلال والفساد الإداري والمالي.
وعن التوقيت، يرى آخرون أن الحديث عن صياغة دستور فلسطيني جديد (يتكون من 13 باباً و162 مادة) في ظل حرب الإبادة المتواصلة في قطاع غزة وإجراءات الاحتلال لضم ما تبقى من الضفة الغربية والتوجه الفعلي نحو إلغاء “اتفاقية أوسلو”، هو انفصال عن الواقع وحاجة غير ملحة وترف فكري يستنزف الشارع الفلسطيني المستنزف أصلاً بالكثير من التحديات والصعوبات، وأن القانون الأساسي ورغم ما يعتليه من بعض القصور يفي بالغرض في هذه المرحلة.
وبعيداً عن هذا الجدل، يتفق أصحاب وجهات النظر المختلفة على أن الدساتير لا تُعد مجرد أدوات تنظيم داخلي للسلطات، بل تمثل إعلاناً سياسياً موجّهاً إلى المجتمع الدولي، وإطاراً ناظماً للعلاقة بين السلطة والشعب، ورسالة سيادية تعكس تصور الدولة لذاتها ولموقعها في النظام الدولي، في سياق تحرري لدولة وشعب ما زال خاضعاً للاحتلال.
لجنة صياغة الدستور
وكان الرئيس الفلسطيني محمود عباس قد أصدر في آب/ أغسطس الماضي مرسوماً بتشكيل “لجنة صياغة الدستور المؤقت” برئاسة د. محمد الحاج قاسم، وعضوية عدد من الشخصيات الحزبية والقضائية ووزراء سابقون ومختصون في القضايا القانونية، بما ينسجم مع وثيقة إعلان الاستقلال (1988) ومبادئ الشرعية الدولية، كخطوة تسبق إجراء الانتخابات العامة.
لجنة صياغة الدستور هذه، لم تجو من ساهم النقد، حيث وصفها نائب رئيس المجلس التشريعي سابقاً د. حسن خريشة بأنها “غير مهنية” وتضم شخصيات سياسية وفصائلية وليسوا خبراء في القانون، وأن صياغة الدستور في كل دول العالم من مهام البرلمان المنتخب.
في المقابل، أوضح عضو لجنة صياغة الدستور ومدير الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان عمار دويك في تصريحات صحفية، أن اللجنة المشكلة من 17 عضواً عملت بمهنية عالية على مدار 5 أشهر وانبثقت عنها لجان فرعية وجرى إقرار المواد بعد التصويت عليها.
مؤكداً على أن عمل اللجنة اعتمد على القانون الأساسي الفلسطيني أولاً، كما استند واطلع على دساتير عدد من الدول كالدستور التونسي وجنوب أفريقيا والبرازيل وغيرها، مشيراً إلى أن هذا الدستور سيخضع قبل إقراره للاستفتاء الشعبي في جميع أماكن تواجد الفلسطينيين في الداخل والخارج.
توسيع صلاحيات الرئيس
أحد أكثر المخاوف التي يطرحها المنتقدون لمسودة هذا الدستور هو الخشية من توسيع صلاحيات منصب الرئيس وتآكل صلاحيات البرلمان الفلسطيني المنتخب، وتغول السلطة التنفيذية على حساب السلطتين التشريعية والقضائية.
ففي المواد (73–85) المتعلقة برئيس الدولة، والمواد (80–84) المتعلقة بتشكيل الحكومة والثقة وحل البرلمان، تمتع رئيس الدولة بصلاحيات واسعة، رغم توصيف النظام بوصفه نظاماً ديمقراطياً نيابياً، فإن بنيته الفعلية تميل إلى نظام شبه رئاسي غير منضبط، في ظل غياب آليات واضحة تكفل التوازن بين السلطات وتمنع تركّز الصلاحيات التنفيذية.
ونجد أيضاً أن البند (79) ينص على أن بمقدور رئيس الدولة أن يعين نائباً له، وأن يكلفه بما يراه مناسباً من مهام وأن يعفيه من منصبه، وأن يقبل استقالته، كما نصت المادة 82 على أن الرئيس يوقّع ويصادق على المعاهدات الدولية، في حين أن المصادقة تكون عادة من صلاحيات مجلس النواب وليس رئيس الدولة.
وفيما يتعلق بآليات الرقابة على السلطة التنفيذية، تكتفي المسودة، في المواد (17، 21، 22) الخاصة بالشفافية والمساءلة، والمادة (62) المتعلقة بالتقاضي، بتقرير المبادئ العامة، دون تحديد أدوات الرقابة، أو إجراءاتها أو آثارها الملزمة، وهو ما يجعل هذه الرقابة ذات طابع شكلي أكثر منها إجرائياً وفعّالًا.
ويزداد قلق الفريق المتوجس خيفة من “مسودة الدستور الفلسطيني” الجديد فيما يتعلق بالإعلان عن حالات الطوارئ في المواد (30، 71)، إذ يكتفي النص بالإشارة إلى تقييد الحقوق وفقاً للقانون أو لضرورات الأمن دون تحديد ماهية حالة الطوارئ، أو الجهة المخولة بإعلانها أو مدتها أو آليات الرقابة عليها، وهو ما يعد مدخلًا خطيراً للتوسع في الصلاحيات التنفيذية على حساب الحقوق والحريات.
السلطة القضائية في مهب الريح
وفيما يتعلق بالنصوص الخاصة بالسلطة القضائية التي وردت في الباب السادس من مسودة الدستور المؤقت (120 – 139)، سجّل مدير المركز الفلسطيني لاستقلال المحاماة والقضاء “مساواة” إبراهيم البرغوثي، عدداً من الملاحظات أهمها: خلو هذه النصوص من بند صريح يشير إلى ضرورة مصادقة مجلس النواب على تعيين رئيس مجلس القضاء الأعلى، كما لم يتضمن النص على حق القضاة في حرية الرأي والتعبير وفي تشكيل جمعيات خاصة بهم، كما أن ما ورد حول اختيار رئيس المحكمة الدستورية من قبل الرئيس يمس باستقلالية المحكمة.
جدلية السلطة والمنظمة
ومن المآخذ على “مسودة الدستور الفلسطيني” كما يرها الفريق المتحفظ على بعض بنوده تعامله مع الواقع وكأن هناك دولة مستقلة قائمة، ولم تأخذ بعين الاعتبار خصوصية الحالة التحررية الفلسطينية، ولم توضّح بشكل كافٍ العلاقة بين السلطة السياسية ومشروع التحرر الوطني.
ويرى أستاذ القانون والعلاقات الدولية رائد بدوية في تصريحات صحفية، أن المسودة أشارت لمنظمة التحرير الفلسطينية بشكل رمزي في الديباجة من دون أن تمنحها المكانة الدستورية العليا بوصفها الممثل السياسي للشعب الفلسطيني، وهو ما يكرس عزل المنظمة عن المنظومة السياسية التي ينشئها الدستور.
مؤكداً على أن المرجعية السياسية العليا لأي دستور فلسطيني يجب أن تكون منظمة التحرير والمجلس الوطني التابع لها، فيما تُفهم السلطة باعتبارها جهازاً تنفيذياً للدولة المستقبلية، غير أن المسودة الحالية جعلت مؤسسات الحكم القائمة هي المركز الأساسي للنظام السياسي.
وبيّن أن نصوص مسودة الدستور تجاهلت تحديد العلاقة بين دولة فلسطين ومنظمة التحرير بصفتها المرجعية العليا والسلطة الفلسطينية، وهي العقدة البنيوية للنظام السياسي منذ اتفاق أوسلو، كما أن المسودة تصف فلسطين بأنها “دولة تحت الاحتلال”، لكنها لا تبيّن كيف ستُدار دولة تحت الاحتلال في ظل وجود سلطة نشأت أصلاً لإدارة الحكم الذاتي المحدود، كما لم تحدد المسودة أيضاً مصير اتفاقية أوسلو، ولا العلاقة بين القانون الدولي والواقع الانتقالي، ولا آليات تحويل الاعتراف الدولي بالدولة إلى ممارسة سيادية فعلية.
في المقابل، يرى الفريق المؤيد لمسودة الدستور الفلسطيني، أن ما جاء فيه من نصوص مختلفة تراعي كافة الأسس الدستورية للدولة الديمقراطية، كما تناولت كافة الحقوق والحريات المنصوص عليها في أغلب المواثيق الدولية وتحقق التوازن بين السلطات الثلاث، وترسخ مبدأ حق تقرير المصير من خلال تصويت الفلسطينيين على هذا الدستور من خلال الاستفتاء الشعبي في الداخل والشتات.
انتهى