سيادة مسلوبة وصمود مُستهدف: المستوطنات تحوّل “عين فارس” إلى مكب للمياه العادمة وتتسبب في كارثة بيئية

16/1/2026- مؤسسة الاتحاد من أجل العدالة

تؤكد مؤسسة الاتحاد من أجل العدالة أن ما يشهده الريف الغربي لمحافظة بيت لحم، وتحديداً في قرى نحالين وبتير وحوسان والولجة والجبعة ووادي فوكين، هو عملية ممنهجة لتفكيك النسيج الاجتماعي والاقتصادي للفلسطينيين عبر استهداف مواردهم الطبيعية وسلبهم سيادتهم الغذائية. إن هذا الريف الذي يمثل السلة الغذائية للمنطقة بامتلاكه لثلث أراضيه كأراضٍ زراعية خضراء، يتعرض اليوم لهجمة استيطانية شرسة تهدف لتهجير السكان من أرضهم دون أي ضمانات، مستخدمةً أدوات متنوعة تشمل مصادرة الأراضي، وتلويث الينابيع، ومنع الوصول إلى الموارد الطبيعية، وهو ما يعد خرقاً واضحاً لمبادئ القانون الدولي الإنساني وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة.

لقد بدأ مسلسل التدهور البيئي في “عين فارس” منذ تسعينيات القرن الماضي، عندما شرعت مستوطنة “بيتار عيليت” المقامة على أراضي القرية بضخ مياهها العادمة بشكل متعمد نحو أراضي العين. هذا الاعتداء المستمر حول مياه النبع إلى مجرى ملوث غير صالح للاستخدام البشري أو الزراعي، مما أدى إلى تضرر مساحات واسعة تتراوح بين 300 إلى 500 دونم من أجود الأراضي التي كانت تزرع بالمحاصيل الصيفية والشتوية والأشجار المثمرة كالزيتون والعنب. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل امتد الأثر التدميري ليشمل الخزان الجوفي والتربة؛ إذ يؤدي ضخ المياه العادمة إلى انسداد مسامات التربة وزيادة ملوحتها، مما يجعلها غير قابلة للإنتاج، فضلاً عن انتشار الروائح الكريهة والأوبئة والحشرات الضارة.

التلوث الممنهج للينابيع والتربة في نحالين – “عين فارس”

إن القراءة المتأنية للواقع الاقتصادي في قرية نحالين تكشف عن أرقام مفزعة تعكس حجم المعاناة؛ حيث بلغت نسبة السكان الذين يعيشون تحت خط الفقر حوالي 11.5%، بينما وصل معدل البطالة إلى 11.8%. هذه المؤشرات السلبية هي نتيجة مباشرة لسياسات الحصار ومصادرة الأراضي؛ فقد صادر الاحتلال ما مساحته 4,283 دونماً من أراضي القرية لصالح ثماني مستوطنات غير شرعية وطرق التفافية، يسكنها أكثر من 80 ألف مستوطن. هذا التمدد الاستيطاني لا يكتفي بمصادرة الحيز المكاني، بل يمتد لخلق أزمات معيشية خانقة عبر تحويل الأراضي الزراعية المستصلحة إلى “مخزون استعماري” يسهل السيطرة عليه لاحقاً بعد تدمير قيمته الإنتاجية وتلويث موارده المائية مثل “عين فارس”.

إننا في مؤسسة “الاتحاد من أجل العدالة” نؤكد أن هذا التلوث ليس مجرد حادث عرضي، بل هو أداة استعمارية تهدف إلى تحويل الأراضي الفلسطينية المستصلحة إلى “مخزون استعماري” يسهل السيطرة عليه بعد إخراج المزارعين منها. وقد وثقت التقارير الميدانية في عام 2023 قيام المستوطنين بضخ كميات ضخمة من المياه العادمة مما تسبب بتلف محاصيل واسعة في نحالين، وهو ما وصفته التقارير الدولية، ومنها تقرير المجلس النرويجي للاجئين، بأنه تهديد خطير للأمن الغذائي والصحي للفلسطينيين. وتترافق هذه الحرب البيئية مع قيود عسكرية مشددة وسواتر ترابية تمنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، مما أدى إلى انهيار الاقتصاد الزراعي المحلي وارتفاع معدلات الفقر والبطالة في القرية.

ويتجلى البعد الإنساني والحقوقي لهذه المأساة في الاستهداف المباشر لسبل عيش النساء المزارعات في نحالين، اللواتي فقدن مصدر دخلهن الوحيد نتيجة تلوث التربة والمياه بالمياه العادمة القادمة من مستوطنة “بيتار عيليت”، إن حرمان هؤلاء النساء والعائلات من العمل في أرضهم، التي كانت تاريخياً تفيض بمحاصيل القمح والزيتون والعنب، أدى إلى تآكل العلاقة التاريخية بين الإنسان الفلسطيني وأرضه، وهي علاقة تمثل جوهر الهوية والاستقرار المجتمعي، وبفعل هذه الانتهاكات، تراجعت القدرة الشرائية وارتفعت مخاطر انعدام الأمن الغذائي، مما دفع بعض الأسر للتفكير في الهجرة القسرية أو البحث عن عمل خارج القطاع الزراعي المنهار. إن ما يمارسه الاحتلال هو جريمة مركبة تبدأ بتلويث الموارد وتنتهي بتقويض السيادة الغذائية للأسرة الفلسطينية.

اغتيال البيئة الفلسطينية

من الناحية القانونية، تشدد مؤسسة “الاتحاد من أجل العدالة” على أن حرمان المزارعين من الوصول إلى “عين فارس” عبر السواتر الترابية والقيود العسكرية يمثل انتهاكاً صارخاً للحق في المياه والغذاء والعيش الكريم، وهو حق كفلته المادة (11) من العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. إن الاعتداءات المتكررة من قبل المستوطنين المسلحين ومنع جني ثمار الزيتون تعكس رغبة الاحتلال في تقويض الحقوق الأساسية للفلسطينيين في بيئة صحية وآمنة ومستقرة، إن هذه الممارسات تعد انتهاكاً للحقوق الأساسية التي كفلتها المواثيق الدولية والإعلان العالمي لحقوق الإنسان ، وهو ما يتطلب تدخلاً دولياً عاجلاً لوقف هذه التعديات وحماية المصادر المائية المستدامة. إن استمرار صمت المجتمع الدولي تجاه هذه السياسات يعطي الضوء الأخضر للمستوطنين المسلحين لمواصلة اعتداءاتهم ومنع الفلاحين من ممارسة حقوقهم المشروعة.

ورغم قسوة هذا الواقع، تبرز شهادات المجتمع المحلي في نحالين كمنارة للصمود والتمسك بالحقوق؛ حيث تؤكد المزارعة “أم موسى” أن الأرض التي كانت تُزرع بالقمح والفقوس ستظل لأصحابها رغم كل الصعوبات. هذا الصمود الشعبي يتطلب إسناداً مؤسسياً وقانونياً دولياً للضغط من أجل ضمان حرية وصول المزارعين لأراضيهم، ووقف تدفق الملوثات الاستيطانية، إننا في مؤسسة “الاتحاد من أجل العدالة” ندعو المجتمع الدولي و الجهات الحقوقية والحكومية لتحمل مسؤولياته في حماية “عين فارس” كإرث تاريخي وبيئي، وضمان حق الفلسطينيين في استغلال مصادرهم الطبيعية لتعزيز بقائهم وكرامتهم الإنسانية. كما ندعو الى الضغط على سلطات الاحتلال لوقف ضخ المياه العادمة فوراً، وضمان حرية وصول المزارعين والمزارعات إلى حقولهم. إن العدالة تقتضي حماية “عين فارس” وصونها كمورد مستدام، لضمان الكرامة الإنسانية والأمن الغذائي للشعب الفلسطيني الذي يرفض الانكسار أمام سياسات التهميش والتهجير.

انتهى

Skip to content