
الإتحاد من أجل العدالة: تحذّر من مخاطر الذخائر غير المنفجرة في غزة بعد وقف إطلاق النار
20\10\2025 – مؤسسة الإتحاد من أجل العدالة
خلّفت الحرب في قطاع غزة آلاف الأطنان من الذخائر المتفجرة والمتخلفة عن الاستخدام العسكري، بما في ذلك القنابل العنقودية والصواريخ والمدفعيات الثقيلة. ومع إعلان الهدنة، برزت أزمة جديدة تهدد حياة المدنيين بشكل يومي، تتمثل في الذخائر غير المنفجرة (Unexploded Ordnance – UXO) التي باتت تنتشر في المناطق السكنية والمزارع والطرق العامة، مسببة خسائر بشرية ومادية جسيمة يتطلب معالجة فورية ومكثفة. هذه الظاهرة لا تشكل خطرًا أمنيًا فحسب، بل تمثل انتهاكًا واضحًا لقواعد القانون الدولي الإنساني التي تحظر استخدام الأسلحة ذات الأثر العشوائي طويل المدى.
وقد حذرت دائرة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام (UNMAS) ومنظمات دولية أخرى من أن مخاطر هذه الذخائر تزداد بشكل كبير، خاصة مع عودة السكان إلى المناطق التي نزحوا منها بعد تعرضها لقصف شديد. ويُعد هذا الخطر هائلاً، ويُشكل تهديداً بالغاً على حياة وأطراف أي شخص في تلك المنطقة.
تُعد الذخائر غير المنفجرة من بقايا الحرب الخطرة التي تدخل ضمن مفهوم “مخلفات الحرب المتفجرة” وفق البروتوكول الخامس الملحق باتفاقية الأسلحة التقليدية لعام 1980، والذي تم اعتماده عام 2003. وقد ألزم هذا البروتوكول أطراف النزاع باتخاذ جميع التدابير الممكنة لتحديد أماكن الذخائر غير المنفجرة، ووضع العلامات عليها، وتطهيرها في أسرع وقت ممكن بعد انتهاء العمليات القتالية.
كما تنص المادة (3) من البروتوكول المذكور على أن الدولة أو الطرف الذي استخدم الذخائر هو المسؤول قانونياً عن إزالة مخلفات الحرب المتفجرة الواقعة في الأراضي التي كانت تحت سيطرته. وفي قطاع غزة، يتحمل الاحتلال الإسرائيلي المسؤولية القانونية الكاملة عن إزالة الذخائر التي خلفها جراء عملياته العسكرية في قطاع غزة، وفقاً لمبدأ المسؤولية الدولية عن الأضرار الناتجة عن الأعمال غير المشروعة.
حجم التحدي والانتشار الواسع للأسلحة غير المنفجرة والمخاطر الإنسانية والبيئية
لقد شهدت الحرب في غزة استخداماً شديداً للأسلحة المتفجرة من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي، مما أدى إلى انتشار كبير لهذه الأسلحة. وتشير التقديرات إلى أن حوالي 70 ألف طن من المتفجرات سقطت على غزة منذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023. وفي ضوء النزاعات السابقة، من المعروف أن نسبة تتراوح بين 5% إلى 10% من الذخائر المطلقة لا تنفجر كما هو مصمم لها، متحولة بذلك إلى ذخائر غير منفجرة تشكل خطراً مستداماً.
إن الوضع معقد للغاية بسبب الاكتناز الكبير للأنقاض ومستويات التلوث العالية التي تحتوي على هذه المتفجرات، بالإضافة إلى الطبيعة الحضرية ذات الكثافة السكانية العالية في غزة.
أدت الذخائر غير المنفجرة في غزة إلى سقوط عشرات الضحايا من المدنيين، خصوصاً الأطفال والنساء الذين يعودون إلى منازلهم المدمرة أو المزارع المتروكة. كما أن انتشار هذه الذخائر في المناطق الزراعية يهدد الأمن الغذائي، ويمنع عمليات إعادة الإعمار، ويشكل عقبة أمام عودة الحياة الطبيعية بعد الهدنة.
من الناحية البيئية، تتسبب المواد المتفجرة والمعدنية في تلوث التربة والمياه الجوفية، ما يشكل تهديداً طويل الأمد على صحة السكان والبيئة المحلية. وتُعتبر هذه الأضرار انتهاكاً للمادة (55) من البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977، التي تحظر استخدام أساليب أو وسائل قتال يُتوقع أن تُحدث أضراراً واسعة وطويلة الأمد للبيئة الطبيعية.
أكد رئيس بعثة دائرة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام في الأرض الفلسطينية المحتلة، السيد “لوك إيرفينغ”، أن التعامل مع هذا الانتشار الكبير للذخائر غير المنفجرة سيستغرق وقتاً طويلاً. وللأسف، لا تملك حالياً “صورة شاملة للتهديد” الذي تمثله المتفجرات والذخائر في قطاع غزة، حيث لم يكن ممكناً إجراء عمليات مسح واسعة النطاق خلال العامين الماضيين بسبب القيود المفروضة. وتواجه الجهود المبذولة معوقات لوجستية خطيرة، حيث أفادت بأنها لديها عدد محدود من المركبات المدرعة في الميدان، مما يحد من العدد اليومي لتقييمات المخاطر التي يمكن إجراؤها. وفي إشارة إلى ضرورة دعم العمليات، لفتت إلى أن ثلاث مركبات مدرعة تقف على الحدود وتنتظر الحصول على تصريح من السلطات الإسرائيلية لإدخالها إلى غزة، وهو أمر ضروري للسماح بإجراء عمليات أكثر أماناً وعلى نطاق أوسع.

الأولويات الاستراتيجية والجهد الدولي والمحلي
على الرغم من صعوبة الوضع، فإن عمل إزالة الذخائر غير المنفجرة يعد ضرورياً وحيوياً لإعادة الحياة تدريجياً إلى طبيعتها في القطاع. ولتحقيق التعافي المبكر، يجب تحديد أولويات العمل بشكل صحيح من قبل المجتمعات الإنسانية والمحلية والدولية.
تشمل الأولويات قصيرة المدى ما يلي:
- يجب فتح جميع الطرق التي يستخدمها الناس، مما يستلزم مرور المعدات الهندسية لرفع الأنقاض. هذا العمل ينطوي بحد ذاته على خطر احتواء الأنقاض على ذخائر متفجرة، مما يحتم فحص تلك المناطق.
- يجب إعطاء الأولوية لمرافق الصرف الصحي، ومرافق المياه، والمراكز الصحية، والمرافق التعليمية، ومرافق الغذاء، والبنية التحتية الغذائية.
- تخطط دائرة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام لزيادة عدد المشغلين وتخصيص عقود للشركاء المحليين والدوليين لتقديم خدمات التخلص من الذخائر المتفجرة والتوعية بمخاطرها. هناك تضامن جماعي حقيقي لضمان توسيع نطاق هذا الجهد.
- إطلاق حملات توعية مدنية، موجهة للأطفال والمزارعين والسكان العائدين حول كيفية التعرف على الذخائر ومخاطرها.
- توثيق شامل للانتهاكات، من قبل المنظمات الحقوقية المحلية والدولية لتشكيل قاعدة بيانات تُستخدم في الملاحقة القانونية المستقبلية.
- التحرك الدولي العاجل، لتطهير الأراضي الملوثة في غزة بإشراف الأمم المتحدة، وتقديم الدعم الفني والمادي للفرق المحلية، وإلزام إسرائيل قانونياً بتحمل تكاليف إزالة الذخائر غير المنفجرة وتعويض الضحايا وفقاً لمبادئ العدالة الدولية.
يُعد التخفيف من وطأة المخاطر عن طريق توعية الناس أمراً بالغ الأهمية، ويتم ذلك عبر نشر فرق قادرة على تحديد المواد المتفجرة، وشرح مخاطرها، ووضع علامات عليها في أسرع وقت ممكن.
للمجتمعات المحلية والمنظمات غير الحكومية الفلسطينية دور حيوي وأساسي في هذا الإطار. هذه المنظمات تقوم بعمل رائع في تقديم توعية مستهدفة للمجتمعات الأكثر عرضة للتعرض للذخائر المتفجرة، خصوصاً مع انتقال الناس إلى مناطق كانت غير قابلة للوصول أو السكن في السابق. ويجب دعم هذه المنظمات مالياً وتقنياً. علاوة على ذلك، يجب على الأفراد أنفسهم مشاركة رسائل التوعية هذه فور حصولهم عليها، حيث إن هذه المعلومات ليست محمية ويجب أن يعرفها الجميع لتقليل المخاطر عليهم وعلى الآخرين. وفقاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، ولا سيما اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 وملحقيها الإضافيين، يتحمل الاحتلال الإسرائيلي واجباً قانونياً يتمثل في حماية المدنيين وضمان سلامتهم حتى بعد انتهاء العمليات القتالية.
كما توجب المادة (3) المشتركة في اتفاقيات جنيف حماية الأشخاص الذين لا يشاركون في الأعمال العدائية، وتحظر ترك مخلفات الحرب التي قد تؤدي إلى أذيتهم. وإضافةً إلى ذلك، يوجب القانون الدولي على الأطراف تسهيل وصول المنظمات الإنسانية المتخصصة، مثل اللجنة الدولية للصليب الأحمر وخدمات الأمم المتحدة لإزالة الألغام (UNMAS)، لتطهير المناطق المتضررة وتمكين السكان من العودة الآمنة إلى بيوتهم.
من منظور القانون الدولي الإنساني، فإن مسؤولية الاحتلال الإسرائيلي عن حالة الخطر المستمر في قطاع غزة نتيجة الذخائر التي استخدمها ليست اختيارية، بل إلزام قانوني وأخلاقي وإنساني يستوجب التحرك العاجل لضمان حماية المدنيين وتهيئة بيئة آمنة للعيش الكريم. فاستعمال أسلحة ثقيلة في مناطق مكتظة بالسكان دون اتخاذ الاحتياطات الكافية يُعد انتهاكاً لمبدأي التناسب والتمييز المنصوص عليهما في القانون الدولي الإنساني. ويعد دليلاً إضافياً على حجم الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبت خلال الحرب.
وبناءً على مبدأ المسؤولية الدولية، يمكن مساءلة إسرائيل أمام الهيئات الدولية المختصة، بما في ذلك مجلس حقوق الإنسان ومحكمة العدل الدولية، عن إخلالها بالتزاماتها بموجب البروتوكول الخامس واتفاقيات جنيف. كما يحق للسلطة الفلسطينية والمنظمات الحقوقية تقديم ملفات قانونية موثقة أمام المحكمة الجنائية الدولية باعتبار أن استمرار وجود هذه الذخائر يمثل جريمة حرب قائمة الأركان.
إزالة الذخائر غير المنفجرة هي عملية ستستغرق وقتاً طويلاً، وقد يرى البعض أن الأمر سيستغرق عقوداً و يشكل تهديداً صامتاً لحياة المدنيين. ومع ذلك، فإن رسالة المجتمع الإنساني هي عدم فقدان الأمل. يؤكد المسؤولون في الأمم المتحدة على ضرورة اتخاذ “خطوات صغيرة” بشكل يومي، وبذل قصارى الجهد لإعادة الحياة إلى طبيعتها وإزالة هذه التهديدات.
إن الحاجة ملحة للوصول إلى التمويل اللازم واستغلال التضامن الدولي الحالي لضمان توسيع نطاق جهود مكافحة الألغام بشكل صحيح وفعال عبر جميع أنحاء القطاع، لمعالجة هذه القضية بشكل جماعي وفعال، وتحقيق أقصى استفادة للناس. حيث تبقى معالجة هذه الأزمة اختباراً حقيقياً لمدى التزام المجتمع الدولي بمبادئ العدالة والإنسانية التي تأسس عليها نظام القانون الدولي المعاصر.
انتهى