تسارع وتيرة الاستيطان
10/5/2025مؤسسة الاتحاد من أجل العدالة
يُشكل النشاط الاستيطاني الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، انتهاكاً صارخاً ومستمراً للقانون الدولي. ان تسارع في وتيرة هذا النشاط غير القانوني، حيث شهد هذا الشهر وحده إقرار ودراسة خطط لبناء آلاف الوحدات الاستيطانية الجديدة، بالإضافة إلى إجراءات تهدف إلى ترسيخ الأمر الواقع الاستيطاني وتوسيع نطاقه. يهدف هذا المقال إلى تحليل الأبعاد القانونية لهذا التسارع في ضوء القانون الدولي، استناداً إلى البيانات الواردة في التقرير المذكور، وتبيان تداعياته على حقوق الشعب الفلسطيني وإمكانية تحقيق سلام عادل ودائم.
عدم شرعية الاستيطان بموجب القانون الدولي
يجمع المجتمع الدولي، من خلال قرارات الأمم المتحدة المتعددة وآراء كبار فقهاء القانون الدولي، على عدم شرعية المستوطنات الإسرائيلية المقامة على الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967. تستند هذه اللاشرعية إلى مبادئ أساسية في القانون الدولي، أبرزها:
- المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة (1949): تحظر هذه المادة على دولة الاحتلال أن تقوم بترحيل أو نقل أجزاء من سكانها المدنيين إلى الأراضي التي تحتلها. إن بناء المستوطنات ونقل المدنيين الإسرائيليين إليها يشكل انتهاكاً مباشراً لهذا الحظر.
- نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية: يُصنف “نقل دولة الاحتلال، على نحو مباشر أو غير مباشر، أجزاء من سكانها المدنيين إلى الأرض التي تحتلها” ضمن جرائم الحرب.
- قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة: أكدت العديد من القرارات، وآخرها قرار مجلس الأمن رقم 2334 (2016)، أن إنشاء إسرائيل للمستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، بما فيها القدس الشرقية، ليس له أي شرعية قانونية ويشكل انتهاكاً صارخاً بموجب القانون الدولي وعقبة كبرى أمام تحقيق حل الدولتين وإحلال سلام عادل ودائم وشامل.
تسارع وتيرة الاستيطان في مارس 2025:
يمكن تلخيص أبرزها كالتالي:
- التوسع الكمي في الوحدات الاستيطانية:
درست سلطات الاحتلال 45 مخططاً هيكلياً لتوسعة مستوطنات الضفة الغربية والقدس، تمت المصادقة على 16 منها، بينما أودعت 19 مخططاً آخر. واستهدفت هذه المخططات 3,280 دونماً من الأراضي الفلسطينية. والأخطر من ذلك، هو تجاوز حجم المصادقات على بناء الوحدات السكنية الجديدة خلال الفترة من مطلع يناير/كانون الثاني وحتى 19 مارس/آذار 2025، لإجمالي ما تمت المصادقة عليه طوال عام 2024 بأكمله. حيث تم الترويج لبناء 10,503 وحدات سكنية خلال هذه الفترة القصيرة من عام 2025، مقابل 9,971 وحدة تمت المصادقة عليها طوال عام 2024.
حيث تشير المعلومات والمعطيات المتوفرة لدى “الاتحاد من أجل العدالة”، ان عدد من المصادقات والمناقشات التي جرت خلال شهر مارس/آذار في اللجنة العليا للتخطيط الإسرائيلية:
- في 5 مارس/آذار، تمت المصادقة على بناء 1,408 وحدات سكنية في أربع مستوطنات.
- في 12 مارس/آذار، نوقش بناء 1,439 وحدة سكنية جديدة في ست مستوطنات.
- في 19 مارس/آذار، نوقشت المصادقة على بناء 1,211 وحدة سكنية جديدة في أربع مستوطنات.
- في 26 مارس/آذار، جرى بحث المصادقة على بناء 1,344 وحدة سكنية جديدة في مستوطنتي “معاليه أدوميم” و”كوخاف يعقوب” المقامتين على أراضي القدس.
- تغيير آليات التخطيط لتسريع الاستيطان:
يشير التقرير إلى أن المجلس الأعلى للتخطيط الإسرائيلي يعقد اجتماعات أسبوعية منذ ديسمبر/كانون الأول 2024 لمناقشة بناء مئات الوحدات السكنية الجديدة، خاصة بعد إلغاء الحاجة إلى موافقة وزير الدفاع الإسرائيلي على خطط المستوطنات. حيث تهدف هذه الاجتماعات الأسبوعية، إلى “تطبيع تخطيط المستوطنات وتقليل انتقادات الرأي العام الدولي، فضلاً عن تسريع وتيرة الاستيطان”.
- “شرعنة” البؤر الاستيطانية وتوسيع مفهوم المستوطنات القائمة:
في الثلث الأخير من مارس/آذار، قرر المجلس الوزاري الأمني الإسرائيلي المصغر (الكابينت) فصل 13 مستوطنة كانت تعتبر أحياء تابعة لمستوطنات أكبر في الضفة الغربية، ومنحها وضعاً قانونياً مستقلاً، مما يرفع عدد المستوطنات المعترف بها إسرائيلياً في الضفة إلى 140 مستوطنة. هذا القرار يهدف إلى “شرعنة البؤر الاستيطانية غير القانونية، عن طريق تحويلها إلى أحياء تابعة لمستوطنات قائمة، والقرار الجديد يحوّل هذه الأحياء إلى مستوطنات مستقلة بالكامل”. كما تم رصد 6 محاولات لإقامة بؤر استيطانية جديدة ذات طابع زراعي ورعوي خلال الشهر.
- مشاريع بنية تحتية لترسيخ الاستيطان والضم الفعلي:
خصص “الكابينت” في نهاية الشهر 335 مليون شيكل لبناء طريق بين العيزرية والزعيم. ويشير التقرير إلى أن هذا الطريق “سيتيح للاحتلال إغلاق منطقة واسعة في قلب الضفة أمام الفلسطينيين، وإنشاء نظام طرق منفصل عبر تحويل حركة الفلسطينيين إلى طريق التفافي خاص، وضم كامل منطقة معاليه أدوميم”. ووفقاً لمنظمة “السلام الآن”، يهدف هذا المشروع إلى “تسهيل ضم حوالي 3% من أراضي الضفة الغربية إلى إسرائيل”.
التداعيات القانونية لتسارع وتيرة الاستيطان
إن تسارع وتيرة الاستيطان، كما هو موثق في مارس/آذار 2025، يحمل تداعيات قانونية خطيرة:
- مفاقمة جريمة الحرب: إن كثافة وحجم الموافقات على بناء الوحدات الاستيطانية الجديدة والسياسات المتبعة لتسريعها، لا تدل فقط على استمرار جريمة الحرب المتمثلة في نقل السكان، بل على مفاقمتها وتعميقها بشكل ممنهج.
- تقويض حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني: يؤدي التوسع الاستيطاني إلى مصادرة المزيد من الأراضي الفلسطينية (حيث استهدفت مخططات مارس وحدها 3,280 دونماً)، وتفتيت التواصل الجغرافي للأراضي الفلسطينية، وعزل التجمعات السكانية الفلسطينية، والسيطرة على الموارد الطبيعية. كل ذلك يقوض بشكل مباشر حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره على أرضه وإقامة دولته المستقلة والقابلة للحياة.
- خلق وقائع لا رجعة فيها على الأرض: تهدف السياسات الإسرائيلية بوضوح إلى خلق “حقائق على الأرض” تجعل من المستحيل تطبيق حل الدولتين على أساس حدود عام 1967. مشاريع البنية التحتية الاستيطانية، مثل الطرق المذكورة، هي جزء لا يتجزأ من هذه الاستراتيجية.
- ارتباط وثيق بانتهاكات أخرى: يرتبط التوسع الاستيطاني بشكل عضوي بانتهاكات أخرى للقانون الدولي، مثل هدم المنازل الفلسطينية، والتهجير القسري للسكان، وتقييد حرية الحركة، وعنف المستوطنين، وهي انتهاكات وثقها التقرير أيضاً في سياقات أخرى.
دور التغييرات في السياسات الداخلية الإسرائيلية
حيث توفر عامل داخلي مهم يساهم في تسريع وتيرة الاستيطان، وهو “إلغاء الحاجة إلى موافقة وزير الدفاع الإسرائيلي على خطط المستوطنات”. هذا التغيير في السياسة الداخلية الإسرائيلية يهدف بوضوح إلى إزالة أي عقبات بيروقراطية أو سياسية قد تعترض سبيل التوسع الاستيطاني، مما يظهر نية مبيتة لتسريع هذه العملية غير القانونية.
إن البيانات الواردة تقدم صورة قاتمة عن تسارع ممنهج ومقصود في وتيرة النشاط الاستيطاني الإسرائيلي. هذه الأنشطة لا تشكل فقط انتهاكاً صارخاً ومستمراً للقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، بل تمثل أيضاً جريمة حرب مستمرة وتقويضاً مباشراً لحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير وإمكانية تحقيق سلام عادل وشامل.
يقع على عاتق المجتمع الدولي، وبخاصة الدول الأطراف في اتفاقيات جنيف، مسؤولية قانونية وأخلاقية للتحرك بشكل فوري وحاسم لوقف هذه الانتهاكات. يجب ألا يقتصر الأمر على الإدانات الشكلية، بل يتطلب إجراءات عملية تشمل مساءلة المسؤولين الإسرائيليين عن هذه الجرائم، وتفعيل آليات لضمان عدم الاعتراف بالوضع غير القانوني الناشئ عن الاستيطان، واتخاذ خطوات لضمان حماية الشعب الفلسطيني وحقوقه غير القابلة للتصرف. إن استمرار الصمت أو التقاعس الدولي لن يؤدي إلا إلى ترسيخ الاحتلال وتعميق الظلم، وإبعاد فرص تحقيق السلام العادل أكثر فأكثر.
انتهى