لقمةٌ مغموسة بالدم: استهداف العمال الفلسطينيين بين الحصار والمطاردة

2026/03/26 –  الاتحاد من أجل العدالة

الم تكن أحداث السابع من أكتوبر مجرد انعطافة عسكرية في الصراع الفلسطيني، بل تحوّلت إلى ذريعة استغلها الاحتلال لفرض حصار شامل يستهدف تحطيم صمود المجتمع الفلسطيني من بوابة لقمة العيش. إن قرار منع مئات آلاف العمال من الوصول إلى أماكن عملهم داخل الخط الأخضر (الداخل الفلسطيني المحتل) لا يمكن اعتباره إجراءً أمنياً عابراً، بل هو سياسة عقاب جماعي ممنهجة ومدروسة، تهدف إلى تدمير البنية الاقتصادية الفلسطينية بشكل كلي.

 ففي الوقت الذي كان يعتمد فيه أكثر من 200 ألف عامل بشكل مباشر على سوق العمل في الداخل، أدى هذا المنع المفاجئ إلى تجفيف مصدر الدخل الرئيسي لآلاف الأسر، ما تسبب في شلل شبه تام في القوة الشرائية، ودفع المجتمع إلى حالة غير مسبوقة من الركود والفقر المدقع، في انعكاس واضح لرغبة ممنهجة في إنهاك المجتمع الفلسطيني وإغراقه في الديون والعجز عن تلبية احتياجاته الأساسية.

هذا الواقع القاسي حوّل حياة العامل الفلسطيني إلى معاناة يومية مستمرة؛ فبين مطرقة الديون المتراكمة وسندان الحاجة لتأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة لأسرهم، اضطر كثير من العمال إلى خوض ما يمكن وصفه بـ”رحلات الموت” عبر الوديان والجبال الوعرة. وما يجري اليوم على امتداد جدار الفصل والمناطق الحدودية يتجاوز مجرد المنع، ليصل إلى مستوى ملاحقة منظمة أشبه بعمليات صيد بشري، حيث تُستخدم فيها الرصاص الحي، والكلاب البوليسية، والطائرات المسيّرة لتعقب عمال لم يحملوا سوى أدوات عملهم وأملهم في العيش بكرامة. وقد استشهد بعض العمال بالفعل عند الجدار أثناء محاولتهم الوصول إلى أماكن عملهم، فيما لقي آخرون حتفهم أثناء صعودهم للجدار بعد سقوطهم منه. وتشير الإحصائيات الرسمية منذ مطلع عام 2026 إلى ارتقاء أكثر من 15 عاملاً، قضوا إما نتيجة إطلاق نار مباشر أو بسبب حوادث قاتلة نجمت عن المطاردات، في مشهد يعكس حجم المأساة ويضع علامات استفهام كبيرة أمام صمت المجتمع الدولي.

وقد تجسدت قسوة هذه السياسات بشكل واضح في الحادثة التي شهدتها منطقة مسافر يطا جنوب مدينة الخليل مؤخراً، حيث تحولت رحلة البحث عن العمل إلى مأساة ميدانية حين حاصرت قوات الاحتلال، باستخدام آلياتها العسكرية، مركبات تقل أكثر من خمسين عاملاً، وبدأت بمطاردتها في طرق جبلية تفتقر لأدنى شروط السلامة. وخلال هذه المطاردة، تم إطلاق الرصاص الحي باتجاه العمال بشكل مباشر، ما أدى إلى انقلاب المركبات وتحطمها، وأسفر عن استشهاد عامل في الثلاثين من عمره، كان يسعى لتأمين قوت يومه ويعيل طفلة صغيرة، إضافة إلى إصابة عشرات آخرين بجروح متفاوتة الخطورة، بعضها ناتج عن الأعيرة النارية، وأخرى بسبب الحوادث الناتجة عن المطاردة.

وتشير إفادات ميدانية إلى أن قوات الجيش والمستوطنين تعمدوا منع تقديم الإسعاف للمصابين، حيث تُرك الشهيد ينزف على الأرض دون إنقاذ، ومنعوا أي شخص من الاقتراب منه لساعات طويلة إلى أن فارق الحياة، في انتهاك صارخ لأبسط المبادئ الإنسانية. كما أفاد شهود عيان أن بعض العمال تمكنوا من الفرار من موقع الحادث، إلا أنهم كانوا في حالة إنهاك شديد وصدمة نفسية حادة نتيجة ما شاهدوه من هول الواقعة.

إن توصيف هذه الحادثة كـ”حادث سير” يُعد تضليلاً للواقع، إذ إنها تمثل جريمة مكتملة الأركان، نتجت عن سلوك عسكري متعمد يستهدف ردع العمال وترهيبهم ومنعهم من محاولة كسر الحصار الاقتصادي المفروض عليهم.

 تؤكد مؤسسة الاتحاد من أجل العدالة أن هذه الممارسات تمثل انتهاكاً جسيماً للقانون الدولي الإنساني، وعلى وجه الخصوص اتفاقية جنيف الرابعة، التي تحظر فرض العقوبات الجماعية على السكان المدنيين. إن استخدام لقمة العيش كوسيلة ضغط، وتحويل مسارات العمل إلى مناطق خطر مميت، يشكل خرقاً واضحاً للحق في العمل والحق في الحياة الكريمة. كما ترى المؤسسة أن القوة القائمة بالاحتلال ملزمة قانوناً بتحمل مسؤولياتها تجاه السكان المدنيين، وأن سياسات المنع والملاحقة تندرج ضمن محاولات ممنهجة لإضعاف الاقتصاد الفلسطيني ودفعه نحو الانهيار، بما يخدم سياسات التضييق والتهجير.

تدعو مؤسسة الاتحاد من أجل العدالة إلى ضرورة تشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة للتحقيق في حوادث استهداف العمال، ومحاسبة المسؤولين عنها. كما تناشد منظمة العمل الدولية بضرورة التحرك العاجل لحماية حقوق العمال الفلسطينيين وضمان وصولهم الآمن إلى أماكن عملهم. وفي السياق ذاته، توصي المؤسسة بإنشاء صندوق طوارئ لدعم عمال الداخل الذين فقدوا مصادر دخلهم، والعمل على توثيق جميع الانتهاكات المرتكبة بحقهم، خاصة في مناطق مثل مسافر يطا جنوبي الخليل، تمهيداً لتقديمها كأدلة قانونية أمام المحاكم الدولية المختصة.

فالحق في العيش الكريم لا ينبغي أن يكون محفوفًا بالموت، ولقمة الخبز لا يجوز أن تُنتزع تحت تهديد السلاح، فيما تبقى العدالة الغائبة ثمنًا يدفعه العمال الفلسطينيون يوميًا من أرواحهم.

انتهى

Skip to content