تحت القيود والقهر: واقع حقوق الأسرى الفلسطينيين

18\02\2026 – الاتحاد من أجل العدالة

يشهد واقع الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية انتهاكات متواصلة لحقوقهم الإنسانية والقانونية، في ظل سياسات ممنهجة تمس حياتهم وكرامتهم داخل مراكز الاحتجاز. وتتراوح هذه الانتهاكات بين الإهمال الطبي المتعمد، والعزل الانفرادي، وحرمان الأسرى من الطعام، وتقييد الوصول إلى الخدمات الأساسية، إضافة إلى ظروف احتجاز قاسية تتعارض مع المعايير الدولية واتفاقيات جنيف التي تكفل حماية الأسرى وحقوقهم. ويهدف هذا التقرير إلى توثيق أبرز الممارسات والانتهاكات القائمة بحق الأسرى، وتقديم صورة واضحة ومبنية على معلومات موثوقة حول واقعهم، في إطار تعزيز الوعي بالوضع الإنساني والقانوني الذي يواجهونه، والدعوة إلى احترام حقوقهم وضمان معاملتهم وفقًا للمعايير الدولية.

سياسة العزل الانفرادي

في نهاية شهر آذار/2025، تم نقل مجموعة من قيادات الحركة الأسيرة، من عزل سجن (ريمون) إلى زنازين سجن (مجدو) والتي رافقها اعتداءات وعمليات تنكيل ممنهجة طالت جميع من تم نقلهم، وتابعت العديد من المؤسسات جملة المعطيات المحدودة التي تمكنت من الحصول عليها في حينه، بحذر شديد، تخوفاً من مضاعفة الهجمة بحقهم،  وفي ظل التشديدات على زيارات الأسرى المؤبدات وقيادات الحركة الأسيرة منذ الشروع بعزلهم وتنفيذ عمليات انتقام ممنهجة على مدار الفترة الماضية، فكل يوم يمر على الأسير المعزول منذ بداية الإبادة أصبح يشكل زمناً مضاعفاً، لا يمكن مقارنته بأي مرحلة سبقت الإبادة، واليوم فإن معنى العزل، يتخذ مستوى أكثر خطورة على مصير كل من يواجهه من الأسرى، في ظل الاعتداءات وحالة التحوش التي لا تتوقف على مدار الساعة بحقهم. وقد سُجلت العشرات من الشهادات بشأن تلك الاعتداءات، إلى جانب عمليات التعذيب، وعمليات الإرهاب التي رافقها تهديدات واضحة لعدد منهم بمحاولة تصفيتهم وعدم السماح بأن يخرجوا أحياء من الأسر.

وقد تمكنت بعض الطواقم القانونية التابعة للمؤسسات الحقوقية من خلال زيارات جرت مؤخراً لعدد منهم، فإنّ هذه الاعتداءات فاقت مستوى الوصف والتصور، حيث تتعمد قوات القمع الاستمرار بالضرب حتى خروج الدم من أجسادهم، وتستخدم كافة أنواع الأسلحة لضربهم والتنكيل بهم، من خلال الهراوات، والبساطير، إلى جانب الكلاب البوليسية المزودة بخوذة من حديد، واليوم فإن غالبيتهم يعانون من إصابات، ورضوض.

في تاريخ التاسع من أيلول/ 2024 تعرض مروان البرغوثي أحد قيادات ورموز الحركة الأسيرة للاعتداء الوحشي في زنازين عزل مجدو، والذي تسبب له بعدة إصابات في جسده، وتحديدا في الجزء العلوي من جسده، حيث تركزت عملية الضرب استنادا للمعلومات التي تمكن المحامي من نقلها فإن عملية الضرب تركزت على الرأس والأذنين، والأضلاع، والأطراف، مما أدى إلى حدوث نزيف في الأذن اليمنى، وجرح بذراعه الأيمن، وأوجاع شديدة في كافة أنحاء جسده خاصة الأضلاع، والصدر، والظهر، وتفاقم أثر الجرح لاحقا بخروج القيح منه، وبإصابته بالتهابات حادة في الأذن، وصعوبة في الحركة، وذلك جرّاء تعمد إدارة السجن بتركه دون علاج، كما تستمر عمليات القمع بحق الأسرى المعزولين حتى هذا اليوم مع منع المؤسسات الحقوقية من زيارتهم والحصول على معلومات دقيقة حول حالتهم الصحية.

سياسة الإعدام بحق الأسرى الفلسطينيين

بعد اتفاق وقف إطلاق النار، صعدت إدارة سجون الاحتلال من جرائمها وانتهاكاتها بحق الأسرى في السجون، حيث شكلت شهادات وإفادات الأسرى المحررين أدلة دامغة على جرائم التعذيب، وعمليات الإعدام الميداني داخل السجون، وهو ما ثبت في جثامين الشهداء الذين تم تسليمهم في إطار الاتفاق.

وتسارع وتيرة استشهاد الأسرى والمعتقلين بهذه الصورة غير المسبوقة يؤكد أن منظومة السجون الإسرائيلية تسعى إلى تنفيذ سياسة القتل البطيء، إذ لا يكاد يمر شهر دون ارتقاء شهيد جديد من صفوف الأسرى، ومع استمرار الجرائم اليومية داخل السجون، فإن أعداد الشهداء مرشحة للارتفاع، في ظل احتجاز آلاف الأسرى في ظروف تفتقر إلى أدنى مقومات الحياة.

ومع استشهاد المعتقل الفلسطيني محمد غوادرة بتاريخ 2/11/2025، يرتفع عدد شهداء الحركة الأسيرة منذ بدء حرب الإبادة إلى (81) شهيدًا ممن تم التعرف على هوياتهم، في ظل استمرار جريمة الإخفاء القسري التي تطال عشرات المعتقلين. وتشهد هذه المرحلة من تاريخ الحركة الأسيرة المرحلة الأكثر دموية منذ عام 1967، إذ بلغ عدد الشهداء الذين عُرفت هوياتهم منذ عام 1967 حتى اليوم (318) شهيدًا، وفقًا للبيانات الموثقة لدى مؤسسات الأسرى. كما ارتفع عدد الأسرى الذين يحتجز الاحتلال جثامينهم قبل الحرب وبعدها إلى (89) جثمانًا، منهم (78) بعد الحرب. ولم تكتفي منظومة الاحتلال بقتل عشرات الأسرى منذ بداية حرب الابادة بل تسعى اليوم إلى ترسيخ جريمة الإعدام عبر تشريع قانون خاص تحت مسمى “قانون إعدام الأسرى”.

سياسة الحرمان من الطعام

يواجه الأسرى في سجون الاحتلال سياسة التجويع التي زادت حدتها مع تقليص وجبات الطعام بعد السابع من أكتوبر، وحرمان الأسرى من (الكانتينا) بإغلاقها، والتي أدت إلى تدهور أوضعاهم الصحية بالمجمل، حيث يعاني الأسرى في مختلف السجون من سوء في التغذية، والتي أثرت بشكل كبير على الأسرى المرضى، خاصة من يحتاجون إلى غذاء خاص يتناسب مع أوضاعهم الصحية، هذا إلى جانب توفير مياه غير صالحة للشرب حيث تحتوي الماء نسبة كبيرة على الكلس والصدأ، مما سبب للعديد منهم مشاكل صحية.

   ففي معظم السجون يتم تقديم وجبات طعام لعشرة أسرى أو 12 أسيرا لا تكفي في واقع الأمر لأسيرين، فقد أكد مجموعة من الأسرى الذين تمت زيارتهم مؤخرًا من قبل مؤسسات الأسرى، أنه وفي إطار محاولة الأسرى الاحتجاج على سياسة التجويع نفّذوا خطوات احتجاجية في أحد الأقسام، وقاموا بإرجاع وجبات الطعام، فأقدمت إدارة السّجون على معاقبتهم بإدخال وحدة خاصّة مع الكلاب لضربهم ومعاقبهم، وتم الاعتداء على الأسرى بالضرب، وتسليط الكلاب البوليسية المرافقة للقوة، وبعد الانتهاء من عملية الاعتداء قاموا بنقلهم وتوزيعهم على بقية الأقسام.

يعاني معظم الأسرى من خسارة كبيرة في الوزن وما يرافقها من مشاكل صحية بسبب سوء التغذية، حيث يسعى الاحتلال إلى ضرب إرادة وصمود الأسرى من خلال سياسة التجويع، حيث يكتفى بتقديم الحد الأدنى للبقاء على قيد الحياة فقط. 

صورة تظهر لأحد الأسرى المحررين بعد قضاء عام ونص داخل سجون الاحتلال وقد فقد نصف وزنه بسبب سياسة التجويع.

معسكر “سدي تيمان” حيث تمارس أفظع الجرائم بحق الأسرى الفلسطينيين

ومع بدء العدوان على غزة، أصدر وزير الجيش الإسرائيلي قراراً يجعل من قاعدة ومعسكر سديه تيمان مكاناً للاحتجاز والاعتقال الإداري، وأقيمت بالمعسكر 5 منشآت تحتوي على أقفاص حديدية لاحتجاز من يتم اعتقالهم من غزة. هذا بالتزامن مع اصدار وزير جيش الاحتلال الإسرائيلي يوآف غالانت بتاريخ 10/10/2023 قراراً فاشياً يعتبر فيه المعتقلين من قطاع غزة، مقاتلين غير شرعيين؛ أي أنه ينفي بموجبه صفة أسرى الحرب عنهم، إذ نص القرار على احتجاز المعتقلين من قطاع غزة في معسكر سدي تيمان، ويعد هذا القرار مخالفاً بشكل كلي للقانون الدولي الإنساني، والقانون الدولي العام، واتفاقيات جنيف؛ والنصوص واضحة بهذا الشأن، وتؤكد على أن المقاتلين المعتقلين هم أسرى حرب، ويجب التعامل معهم بناءً على ذلك. ولعل معسكر سدي تيمان المذكور تحول إلى سجن “غوانتنامو” جديد يتم فيه احتجاز المعتقلين في ظروف قاسية جداً، داخل أماكن أشبه بأقفاص الدجاج في العراء ودون طعام أو شراب لفترة طويلة من الوقت.

ووفق إفادات بعض المعتقلين المفرج عنهم، يتم استقبال المعتقل القادم من قطاع غزة إلى سدي تيمان في بركس الاستقبال ويخضع إلى ظروف تعذيب قاسية في الأسبوع الأول تتمثل في الجلوس المتواصل في وضعية محددة والحرمان من النوم، وأفاد أحد المعتقلين أنه تم إدخاله وهو مقيد اليدين والرجلين ومعصب العينين إلى بركة من الماء حيث شعر بملامسة الماء لقدميه من الأسفل ومكث بها لمدة خمس دقائق وشعر بالكهرباء الشديدة بكافة أنحاء جسده إلى أن فقد الوعي ولم يعد يشعر بأي شيء حوله، وبعد أن استفاق من الغيبوبة وجد نفسه ملقى على الأرض في البركس وكل جسمه بحالة خدران؛ وأفاد أيضًا أن أحد المعتقلين كان مريض قلب استشهد أمامه بعد أن هاجمته الكلاب داخل القسم وتوقف نتيجة ذلك عن الحراك بشكل تام، كما ترش وجوه المعتقلين بغاز الفلفل بشكل كبير؛ الأمر الذي يسبب لهم آلامًا يصعب تحملها.

وتجلت وحشية الاحتلال في شريط فيديو يوثق واقعة اعتداء جنود الاحتلال الإسرائيلي جنسيًا على معتقل من غزة في معسكر “سدي تيمان”. ونشرت القنوات الإسرائيلية توثيق الكاميرات الداخلية في معتقل “سدي تيمان” الذي يخضع لمسؤولية جيش الاحتلال، الاعتداء على المعتقل ويظهر توثيق الفيديو، عدداً من جنود الاحتلال وهم يختارون معتقلا من بين أكثر من 30 معتقلا كانوا ملقين على الأرض في ساحة المعتقل وعيونهم مغطاة؛ ثم وثقه الجنود ووضعوه في زاوية في الساحة وهم يستخدمون الدروع من أجل إخفاء ما قاموا به، وبعد ساعات تم نقل السجين إلى المستشفى وهو ينزف، ووصفت إصابته بالمعقدة، وصدر قرار طبي لا لبس فيه يقول: لقد حدثت الإصابة بسبب إدخال جسم ما”، ومع ذلك تم اطلاق سراح الجنود المتورطين في عملية الاغتصاب دون أي رقابة أو محاسبة.

صور من مقطع فيديو يظهر واقعة الاعتداء الجنسي على أحد الأسرى في معتقل سدي تيمان بشكل وحشي.

تؤكد مؤسسة الاتحاد من أجل العدالة على أنه ورغم صدور قرار بوقف إطلاق النار على قطاع غزة إلا أن الأسرى في السجون الإسرائيلية يتعرضون حتى الان لأبشع الجرائم بحق الإنسانية، دون أي رادع أو محاسب، مما يستوجب تحرك كافة المؤسسات الحقوقية وهيئات حقوق الانسان من أجل السعي إلى انقاذ الأسرى وضمان حقوقهم المسلوبة.

انتهى

Skip to content