
25/6/2026- مؤسسة الاتحاد من أجل العدالة
قالت مؤسسة “الاتحاد من أجل العدالة” إن محافظة جنين تشهد تحولاً عسكرياً وجيوسياسياً هو الأبرز والأخطر منذ توقيع اتفاقيات أوسلو عام 1993، حيث أقدم الجيش الإسرائيلي على خطوة غير مسبوقة بإنشاء معسكرات ومواقع عسكرية دائمة في عمق المناطق المصنفة “أ”، والتي تخضع بحسب الاتفاقيات للسيطرة المدنية والأمنية الكاملة للسلطة الفلسطينية.
وأكدت المؤسسة أن هذا التثبيت الممنهج تجسد بشكل صارخ بعد أن وقع قائد المنطقة الوسطى في الجيش الإسرائيلي، في السابع من أيار 2026، قراراً يقضي بمصادرة أراضٍ فلسطينية لصالح إقامة معسكر دائم للجيش بالقرب من مخيم جنين، في خطوة تنهي تماماً وبشكل رسمي أي أثر للاتفاقيات السياسية السابقة على الأرض. وفي محاولة لتبرير هذه الخطوة أمام الملاحقات القانونية، ادعى الجيش الإسرائيلي في رد قدمه للمحكمة العليا الإسرائيلية أن هذا المعسكر سيكون بمثابة بديل لبقاء القوات الإسرائيلية داخل منازل المواطنين الفلسطينيين، ويهدف لإعادة نشر القوات في المنطقة برؤية بعيدة المدى، إلا أن جهات مطلعة ومتابعة للقضية أكدت للمؤسسة أن بناء هذا المعسكر الدائم يأتي في سياق أعمق وأخطر، وهو توفير خطة دفاعية وإسناد عسكري مباشر للمستوطنين الذين بدأوا بالفعل العودة والتمدد في منطقة جنين عقب إلغاء قانون الانفصال، حيث يشير المراقبون إلى أن الخوف الأكبر لا يتعلق بالمعسكر وحده، بل بعلاقته بمسار أوسع لعودة الاستيطان شمال جنين، وخاصة في مستوطنتي “غانيم” و”قاديم” اللتين أُخليتا عام 2005.
ولم تتوقف سياسة المصادرة والتثبيت العسكري عند حدود المخيم، بل امتدت لتطال الريف والبلدات المحيطة بجنين، حيث بات الفلسطينيون من سكان قرية عابا، شرقي المدينة، يستشعرون خطراً حقيقياً يهدد أراضيهم الزراعية ومشاريعهم الاقتصادية، وذلك بعد شروع الاحتلال في تهيئة البنية التحتية لإقامة معسكر جديد على أراضيهم. فتقدمت جرافات الاحتلال على طريق يُعد شريان حياة للقرى الشرقية لمدينة جنين، واستحدثت معسكراً على أراضي بلدة عابا بمساحة تقدر بنحو اثنين وعشرين دونماً، تعود ملكيتها الأصلية لمواطنين من بلدة قباطية المجاورة، والتي صودرت بموجب أمر عسكري صدر في منتصف مايو المنصرم. وما يقلق السكان في هذا المحيط لا يقتصر على الجدران الإسمنتية التي تتشكّل أمام أعينهم وتلتهم حقولهم، بل في ما تعنيه هذه الثكنات المستحدثة من إغلاق لطرق التنقل والحركة، وحرمانهم من الدفيئات الزراعية ومراعي الأغنام والمرافق السياحية والعائلية التي كانت تستعد لموسم الصيف، مما يشكل تهديداً مباشراً ومدمراً لمصادر الرزق والاستثمارات الاقتصادية التي أسسوها وعاشوا منها على مدار سنوات طويلة، كما أن الرعاة الذين يعتمدون على الوادي المجاور لرعي أغنامهم سيتأثرون هم أيضاً بشكل بليغ، إذ لن يتمكنوا من الوصول إلى هناك بعد اليوم، مما يضطر المواطنين إلى تحمل أعباء مالية إضافية عبر شراء الأعلاف لأغنامهم، وهو ما يزيد من تكاليف الإنتاج ويضرب صمودهم الاقتصادي في مقتل.

وشددت مؤسسة “الاتحاد من أجل العدالة” على أن الرد التبريري للجيش الإسرائيلي أمام المحكمة العليا يخفي خلفه مأساة إنسانية وقاسية عانت منها المحافظة، حيث عمد الاحتلال إلى طرد السكان وترحيلهم قسرياً، والاعتداء الصارخ على البناء الفلسطيني في هذه المنطقة، مستخدماً ذريعة تصنيف المنطقة كمنطقة حربية لكي يمنح لنفسه المبرر القانوني والعسكري لإقامة موقع عسكري، والذي يمثل في حقيقته بنية تحتية لانطلاق المركبات العسكرية لحماية البناء الاستيطاني المنوي إقامته وإعادته إلى المنطقة. وتؤكد الشهادات الميدانية أن ادعاء الجيش بأن المعسكرات جاءت لإنهاء ظاهرة الاستيلاء على منازل المواطنين يمثل اعترافاً ضمنياً بحجم الانتهاكات الفظيعة التي مورست بحق السكان، حيث تحولت عشرات البيوت الآمنة قسراً على مدار الاقتحامات المتواصلة إلى ثكنات عسكرية ومراكز قناصة بعد طرد أصحابها، واحتجاز عائلات بأكملها في غرف ضيقة لاستخدامهم كدروع بشرية. وفي سياق هذه السياسة العقابية، أقدمت قوات الاحتلال في كثير من الأحيان على إحراق وتدمير هذه المنازل بشكل كامل بعد الانسحاب منها وإفراغها من عتادهم العسكري، تاركين خلفهم جدراناً متفحمة وذكريات محترقة، ومحولين الشقق السكنية التي كانت تنبض بالحياة إلى ركام ورماد لتفجير الغضب الشعبي وتعميق الخسائر المادية والنفسية للسكان، مما تسبب في نزوح وتشرد عائلات بأكملها لم تطأ عتبات بيوتهم منذ سنتين كاملتين، إما بسبب تدميرها الكلي وتحويل أحياء كاملة إلى مناطق غير قابلة للسكن، أو بسبب وقوع منازلهم في خطوط المواجهة المباشرة والمحاور التي جُعلت نقاط تمركز دائم للآليات العسكرية، ليكون إنشاء هذه المعسكرات الدائمة بمثابة مأسسة لهذا اللجوء المستمر منذ عامين وقضاء تام على آمال المواطنين في استعادة حياتهم الطبيعية، بعد أن ظلت جنين لسنوات طويلة متشافية من سرطان الاستيطان على مدار عقدين من الزمن، ليعكس ما يحدث اليوم عبث دولة الاحتلال بجغرافيا المحافظة وتفتيتها عبر التقطيع والبناء الاستيطاني الجديد.
وفي ختام المقال ، توضح مؤسسة “الاتحاد من أجل العدالة” الموقف القانوني الدولي الثابت تجاه هذه الإجراءات، مشيرة إلى أن القانون الدولي الإنساني، ولا سيما اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، ينص صراحة على حظر قيام القوة القائمة بالاحتلال بمصادرة الأملاك الخاصة أو تدميرها إلا إذا كانت العمليات الحربية تقتضي حتماً هذا التدمير، كما يحظر إجراء أي تغييرات دائمية أو هيكلية في الأراضي المحتلة تخدم مصالح الاستيطان أو تثبيت نفوذ الاحتلال طويل الأمد، معتبرة أن هذه الممارسات ترقى إلى جرائم حرب بموجب القانون الدولي. وبناءً على ذلك، تدعو المؤسسة المجتمع الدولي، ومجلس الأمن، والمحكمة الجنائية الدولية إلى تحمل مسؤولياتهم القانونية والأخلاقية بالتدخل الفوري والعاجل لوقف قرارات المصادرة وإزالة هذه المعسكرات الدائمة، وفرض عقوبات رادعة على سلطات الاحتلال لوقف سياسة الضم الزاحف وفرض الأمر الواقع، وحماية المدنيين الفلسطينيين ومصادر أرزاقهم وممتلكاتهم من هذا التغول العسكري والاستيطاني الذي يعيد رسم الخارطة الجغرافية لشمال الضفة الغربية بالحديد والنار.
انتهى