الخان الأحمر: معركة الوجود الفلسطيني وصخرة التحدي في وجه الاستيطان والابتزاز السياسي

الخان الأحمر: معركة الوجود الفلسطيني وصخرة التحدي في وجه الاستيطان والابتزاز السياسي

11/7/2026- مؤسسة الاتحاد من أجل العدالة

تتعرض قرية الخان الأحمر البدوية اليوم لواحد من أخطر فصول الاستهداف الإسرائيلي، والذي تجاوز في الآونة الأخيرة سياق الذرائع التنظيمية المعتادة ليتحول إلى أداة انتقام سياسي مباشر تقودها أعلى الهرم السياسي في حكومة الاحتلال.

 وفي خطوة تصعيدية تعكس عمق الأزمة القانونية والسياسية التي يواجهها قادة الاحتلال، أعلن وزير المالية الإسرائيلية، بتسلئيل سموتريتش، رداً بغيضاً على صدور مذكرة توقيف بحقه من المحكمة الجنائية الدولية، واصفاً إياها بأنها إعلان حرب، ومطلقاً سلسلة من التهديدات المباشرة باستهداف السلطة الفلسطينية اقتصادياً وسياسياً، حيث ترجم غضبه فوراً بالتوقيع على أمر يقضي بإخلاء قرية الخان الأحمر مستغلاً صلاحياته الأمنية. هذا الربط الفاضح بين الملاحقة القضائية الدولية وبين معاقبة تجمع سكاني فلسطيني أعزل، يثبت بشكل قاطع أن قضية الخان الأحمر لم تكن يوماً مسألة بناء غير مرخص كما يزعم الاحتلال، بل هي معركة جغرافية ديموغرافية تهدف إلى محو الوجود الفلسطيني في المناطق الاستراتيجية.

إن مؤسسة “الاتحاد من أجل العدالة” تنظر بخطورة بالغة لهذا التصعيد الفج الذي يربط مصير قرية وتهجير مئتي نسمة من سكانها برعونة المسؤولين الإسرائيليين وردود أفعالهم الانتقامية على العدالة الدولية.

إن هذا التجمع البدوي الصامد لا يمثل مجرد خيام وأكواخ خشبية بسيطة، بل هو جزء أصيل من التاريخ والجغرافيا الفلسطينية، حيث سميت القرية بالخان الأحمر نسبة إلى اللون الأحمر لحجارة الجير الممزوجة بأكسيد الحديد في المنطقة، وهي تضم خاناً عثمانياً أثرياً وموقعاً قديماً للرهبان والتجار، يمتد ذكره التاريخي والديني إلى روايات موغلة في القدم تشير إلى مرور السامري الصالح بالقرب منه. ويعيش في هذه القرية اليوم قرابة مئتي نسمة ينتمون في معظمهم إلى قبيلة الجهالين البدوية، والتي تحمل في ذاكرتها نكبة ممتدة منذ أن طُردت قسراً على يد العصابات الصهيونية من ديارها الأصلية في منطقة تل عراد بالنقب عام 1952، لتستقر في هذه المنطقة شبه الصحراوية شرق القدس على الطريق السريع المؤدي إلى أريحا، محتفظة بنمط حياتها الرعوي ومتشبثة بأرضها رغم قسوة الظروف والحرمان المتعمد من الخدمات الأساسية والمطاردة المستمرة من المستوطنات المحيطة مثل معاليه أدوميم و كفار أدوميم.

تكمن الأهمية الاستراتيجية الفائقة للخان الأحمر في كونه يقع في قلب المنطقة المسماة إسرائيلياً بمخطط إي واحد الاستيطاني، وهو المشروع التوسعي الذي يسعى الاحتلال من خلاله إلى ربط مستوطنة معاليه أدوميم بالقدس الغربية، الأمر الذي يعني عملياً إغلاق البوابة الشرقية للقدس تماماً في وجه الفلسطينيين، وفصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها، وبالتالي قطع التواصل الجغرافي وبتر أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية متصلة وقابلة للحياة، مما يجعل من الخان الأحمر خط الدفاع الأخير وصخرة الصمود التي تتحطم عليها أحلام التوسع الاستيطاني وتصفية القضية الفلسطينية.

ومنذ عام 2009، حاولت سلطات الاحتلال مراراً وتكراراً هدم القرية وإجلاء سكانها تحت ذات الذريعة الجاهزة وهي البناء دون ترخيص في المناطق المصنفة جيم، متجاهلة حقيقة أنها تمنع الفلسطينيين بشتى الطرق من الحصول على هذه الرخص، وتصدى الأهالي بصدورهم العارية لجرافات الاحتلال وأسسوا بالتعاون مع جهات دولية مدرسة لتعليم أطفالهم، والتي تحولت إلى رمز دولي للتحدي. ورغم صدور قرار جائر من المحكمة العليا الإسرائيلية عام 2018 يقضي بإخلاء وهدم القرية، إلا أن الصمود الأسطوري للأهالي والالتفاف الجماهيري والدبلوماسي حولهم، إلى جانب التحذيرات الصارمة الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية والتي اعتبرت التهجير القسري للسكان في الأراضي المحتلة بمثابة جريمة حرب بموجب ميثاق روما، هي التي حالت دون تنفيذ الهدم طوال السنوات الماضية وشكلت جدار حماية قانوني للقرية.

أمام هذا المنعطف الخطير والتهديدات المباشرة والأوامر الفعلية التي وقعها سموتريتش لإخلاء القرية وتدميرها، فإن مؤسسة “الاتحاد من أجل العدالة” تؤكد أن بيانات القلق والاستنكار الشفوي من المجتمع الدولي لم تعد كافية أو مقبولة لوقف هذه الغطرسة، وتطالب المجتمع الدولي بكافة هيئاته الأممية وحكوماته بالتحرك الفوري والحاسم لفرض عقوبات رادعة على قادة الاحتلال، وتحويل مذكرات الاعتقال الدولية إلى إجراءات عزل سياسي واقتصادي حقيقية لمنعهم من ارتكاب جرائم حرب إضافية كعقاب جماعي. كما يتوجب على المجتمع الدولي إرسال بعثات مراقبة ميدانية لتوفير الحماية الفورية لسكان الخان الأحمر والتجمعات البدوية المحيطة، وتفعيل ملاحقة الاحتلال أمام محكمة العدل الدولية والجنائية الدولية باعتبار أي مساس بالقرية دليلاً متجدداً على جريمة التطهير العرقي. ويجب على الدول الكبرى ممارسة ضغوط دبلوماسية واقتصادية قصوى تشمل تعليق اتفاقيات الشراكة والتجارة مع سلطات الاحتلال، بالتوازي مع تقديم دعم مالي وقانوني مباشر لتعزيز صمود المواطنين في أرضهم وإعادة بناء ما يتم هدمه فوراً، لإيصال رسالة واضحة للاحتلال بأن المجتمع الدولي لن يسمح بتهديم القانون الدولي والإطاحة بحقوق الإنسان على مذبح الحسابات السياسية الإسرائيلية الداخلية، وأن الصمت على جريمة إخلاء الخان الأحمر سيكون بمثابة تصفية نهائية لما تبقى من مصداقية للعدالة الدولية.

انتهى

Skip to content