التعليم تحت الهدم: يمثل صمودٌ في وجه الهدم والتهجير

الإتحاد من أجل العدالة : حيث يصبح الوصول إلى التعليم في فلسطين جريمة

05/12/2025-الإتحاد من أجل العدالة

يواجه التعليم في فلسطين واحدة من أكثر البيئات قسوة في العالم، ليس بسبب ضعف الإمكانيات فحسب، بل لأن الاحتلال يجعل من المدرسة ساحة صراع يومي بين إرادة الفلسطينيين في البقاء، وبين محاولات مستمرة لطمس وجودهم. فالمدرسة في القرى والمناطق المهمشة لم تعد مجرد مكان يتلقى فيه الأطفال دروسهم، بل أصبحت رمزًا للصمود وحقاً مهدداً بالهدم والمصادرة كل لحظة، خاصة في المناطق المصنفة «ج» التي تخضع لسيطرة الاحتلال الكاملة. هنا يصبح الوصول إلى التعليم رحلة محفوفة بالمخاطر، ويصبح البناء والترميم جرمًا يحتاج إلى «إذن» لا يمنحه الاحتلال أصلًا، ما يجعل كل مدرسة تُبنى فعل مقاومة حقيقية.

وتُعتبر مسافر يطا من أكثر المناطق التي يجتمع فيها القمع على أشده. فهذه المنطقة الممتدة جنوب الخليل تعيش تحت تهديد دائم، حيث يفرض الاحتلال عليها واقعاً عسكرياً خانقاً، ويمنع البناء فيها باعتبارها “منطقة تدريب عسكرية”. لكن خلف هذا التوصيف البارد تختبئ سياسة واضحة تهدف إلى طرد السكان عبر حرمانهم من أبسط مقومات الحياة، وعلى رأسها التعليم. المدارس في المسافر ليست مباني ثابتة، بل تُبنى غالباً من ألواح الصفيح، أو تُنشأ في غرف متنقلة، لأن الاحتلال لا يسمح بأي بناء دائم. وفي كل مرة يحاول فيها الأهالي توفير بيئة تعليمية لأطفالهم، يصلهم جندي أو جيب عسكري يحمل ورقة مكتوب فيها “إخطار هدم” وكأن التعليم تهمة.

المدارس بين إرادة البقاء ومحاولات الطمس

خلال السنوات الماضية، تعرضت مدارس المسافر لعمليات هدم متكررة، بعضها هُدم أكثر من مرة، مثل مدرسة ام قصة  وخشم الدرج. ومع كل هدم، يعيد الأهالي البناء من جديد، وكأنهم يقولون للآلة العسكرية إن المدرسة ليست جدراناً بل روح مجتمع لا يموت. الأطفال هناك يذهبون إلى مدارسهم عبر طرق ترابية طويلة، يواجهون الحواجز، ويجلسون في صفوف بلا كهرباء أحياناً وبلا شبابيك أحياناً أخرى، ومع ذلك يحفظون كتبهم كمن يحفظ حياة كاملة.

ومؤخراً عاد الاحتلال ليصعّد هجمته، حيث أصدر إخطاراً جديداً بهدم إحدى مدارس المنطقة، وهي مدرسة خلة عميرة، رغم أنه كان قد هدمها العام الماضي وسوّاها بالأرض بالكامل. هذه المدرسة التي أعاد الأهالي وبمساعدة المؤسسات بناءها بصعوبة، أصبحت اليوم مرة أخرى مهددة بالاختفاء تحت جرافة الجيش. قال رئيس البلدية مجدي العدرة:

 “إن هذا الإخطار يؤكد أن الاحتلال لا يستهدف مبنى معين، بل يستهدف وجود الإنسان الفلسطيني نفسه، وأن حرمان الأطفال من التعليم هو انتهاك صريح لكل القوانين الدولية وحقوق الإنسان”.

التعليم في المناطق المهمشة صراع الوجود اليومي

إن قصة التعليم في فلسطين، وخاصة في المسافر، ليست مجرد معاناة عابرة، بل شهادة يومية على صمود مجتمع اختار أن يحارب بالكتب بدلاً من العنف، وأن يقف في مواجهة الجرافة بالطبشورة والدفتر. وكل مدرسة تُهدم لا تعني نهاية الدرس، بل بداية درس جديد: أن التعليم هنا ليس رفاهية، بل فعل مقاومة وحياة، وأن الطفل الفلسطيني مهما حاول الاحتلال تهميشه، سيكبر وهو يعرف أن أول سجال خاضه كان دفاعًا عن مدرسته.

كما أن هذه الاعتداءات المتكررة على المدارس لا تتناقض فقط مع القيم الإنسانية أو حق الطفل الطبيعي في التعلم، بل تشكّل انتهاكاً صريحاً وواضحاً لما نصّت عليه أهم الاتفاقيات الدولية، وعلى رأسها اتفاقيات جنيف ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. فوفق اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، يُحظر على قوة الاحتلال تدمير الممتلكات المدنية أو مصادرتها إلا إذا كانت هناك ضرورة عسكرية قصوى، وهي ذريعة لا يمكن تطبيقها على المدارس التي تخدم أطفالاً مدنيين. كما تمنع الاتفاقية نقل السكان قسراً أو إرهابهم أو استخدام الأساليب التي تجعل حياتهم غير قابلة للاستمرار، وهو ما يحدث عملياً حين تُهدم مدرسة في منطقة نائية مثل المسافر، لأن المدرسة هنا ليست منشأة تعليمية فحسب، بل شرط أساسي لبقاء المجتمع.

أما نظام روما الأساسي، الذي تأسست بموجبه المحكمة الجنائية الدولية، فيعتبر الهدم الواسع للممتلكات المدنية من دون ضرورة عسكرية، والاعتداء على المؤسسات التعليمية، والتهجير القسري للسكان، وتعريض الأطفال للحرمان المتعمد من حقوقهم الأساسية، جرائم حرب. كما ينص النظام على أن استهداف المباني المدنية، بما فيها المدارس، أو تحويلها إلى أماكن غير آمنة، أو حرمان السكان من استخدامها، هو انتهاك يُحاسَب عليه الأفراد بصفتهم الشخصية، وليس فقط الدول. وهذا يعني أن كل عملية هدم لمدرسة فلسطينية ليست حادثاً إدارياً كما يدّعي الاحتلال، بل فعل يقع ضمن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية ويُعد خرقاً لقواعد القانون الدولي الإنساني.

وبالتالي فإن هدم مدرسة خلة عميرة وإعادة تهديدها بالهدم، مثل عشرات المدارس الأخرى في المسافر، ليس مجرد تعدٍّ على مبنى بسيط من الصفيح، بل هو انتهاك مباشر لاتفاقيات دولية أقرتها البشرية بعد حروب مدمرة، وجاءت صريحة في حماية المدنيين والأطفال تحديداً. ومع ذلك، يستمر الفلسطينيون في إعادة البناء، وكأنهم يعلنون أن القانون قد يغيب أحياناً، لكن الحق لا يسقط، وأن المدرسة التي تعود للحياة بعد كل هدم، تثبت أن إرادة الناس أقوى من الجرافة، وأن التعليم في فلسطين سيظل قائماً مهما حاول الاحتلال طمسه.

انتهى

Skip to content