
29/4/2025-الاتحاد من أجل العدالة
يمر الأسرى الفلسطينيون في السجون الإسرائيلية هذه الأيام في مرحلة توصف بأنها الأقسى والأشد قتامة منذ بداية الاحتلال الإسرائيلي عام 1967، فما يصل المؤسسات الحقوقية سواء المحلية أو الدولية من تقارير من داخل السجون ما هو الا غيض من فيض وقطرة في بحر انتهاكات حقوق الإنسان.
فمن التعذيب الشديد المفضي للموت والاعتداءات الجنسية والضرب المبرح واستخدام أساليب امتهان الكرامة والإذلال النفسي، إلى الحرمان من تلقي العلاج وإجراء العمليات الجراحية المستعجلة وتفشي الأمراض المعدية والاكتظاظ الشديد في غرف الاعتقال.
إضافة للمنع من زيارة الأهل والمحامين ومندوبي الصليب الأحمر والخروج لساحة “الفورا”، مروراً بقلة الطعام وندرته وتحول الأسرى لهياكل عظمية، وانتهاء بالحرمان من مواد النظافة واقتناء الملابس والاستحمام بشكل منتظم والتعرض للشمس، كلها عناوين مختصرة يندرج تحتها فصول معاناة لا تنتهي يعيشها في كل يوم ولحظة آلاف الفلسطينيين المحرومون من الحرية في السجون الإسرائيلية.
فحتى منتصف نيسان/ ابريل الجاري، بلغ عدد الأسرى في سجون الاحتلال، أكثر من 9900 معتقل، علماً أن هذه الإحصائية لا تشمل معتقلي قطاع غزة الذين يخضعون لجريمة (الإختفاء القسري)، في حين بلغ عدد الأسيرات (29)، فيما بلغ عدد الأسرى الأطفال دون (18 عامًا) نحو (400) طفلاً.
أكثر من 3500 معتقل إداري
ومن بين هؤلاء المعتقلين يخضع حوالي (3500) أسير للاعتقال الإداري من بينهم (4) نساء، وأكثر من (100) طفل، فمنذ السابع من تشرين أول/ أكتوبر 2023 تصاعدت أعداد الإداريين لتكون الأعلى في تاريخ الحركة الأسيرة منذ بداية الاحتلال، مع العلم أنّ عددهم قبل الحرب، وصل إلى (1320) معتقلاً.
وعند التدقيق في قوائم الأسرى الإداريين نجد أن غالبيتهم أسرى سابقون أمضوا سنوات في سجون الاحتلال، بالإضافة إلى فئات أخرى شملت: طلبة مدارس وجامعات وصحفيين وحقوقيين ومحامين، ومهندسين وأطباء وأكاديميين ونواب ونشطاء وعمال وأقارب من الدرجة الأولى لشهداء وأسرى في سجون الاحتلال، منهم شقيقات شهداء وزوجات أسرى.
وبالعودة إلى السياق التاريخي للاعتقال الإداري، نجد أنّ سلطات الاحتلال استخدمت سياسة الاعتقال الإداري التعسفي بحق الفلسطينيين منذ احتلالها للأراضي الفلسطينية، وعلى مدار كل تلك الأعوام اعتقل عشرات الآلاف من الفلسطينيين إدارياً.
وكما هو معروف في القانون الدولي فإن الاعتقال الإداري يندرج في إطار الاعتقال التعسفي غير القانوني، حيث يتم تمديد اعتقال الأسير عدة مرات قد تصل لأكثر من ثلاث سنوات دون أن يتم توجيه لائحة اتهام بحقه، أي دون حسم قضائي أو دون أن يكون هناك أدلة واعترافات واضحة سواء من طرف المعتقل نفسه أو من رفاقه.
قانون بريطاني وملف سري والقضاء شكلي
وتستند إجراءات الاعتقال الإداري التي تطبقها سلطات الاحتلال في الأراضي المحتلة إلى المادة (111) من أنظمة الدفاع لحالة الطوارئ التي فرضتها سلطات الانتداب البريطاني عام 1945، في حين تعتبر العديد من المؤسسات الحقوقية الدولية على رأسها “هيومن رايتس ووتش” استخدام إسرائيل للاعتقال الإداري بشكل موسع ضد الفلسطينيين دون تهم أو محاكمة “خرق واضح للمعايير القانونية الدولية”.
وقد تكون إسرائيل الدولة الوحيدة في العالم التي تستخدم هذا النوع من الاعتقال، حيث تزج بآلاف الفلسطينيين ليس على خلفية تهم واضحة وإنما في الإطار الاحترازي أو خوفها من تشكيل خطر مستقبلي على الأمن، وهذا يعني بطبيعة الحال أن جهاز المخابرات الإسرائيلي “الشاباك” هو من يتولى مهمة تحويل المعتقل الى الاعتقال الإداري، بالتنسيق مع قادة الجيش في المناطق الفلسطينية.
وتستند المخابرات الإسرائيلية على ما يعرف بالملف السري لتحويل الأسير إلى الاعتقال الإداري وتمديده عدة مرات لا يمكن للمعتقل أو محاميه الاطلاع عليه، حيث يتم تقديم هذا الملف للجهاز القضائي الذي يستجيب بدوره لطلب المخابرات وينزل عند رغبتها، وهو ما يعني أن الكلمة الأولى والأخيرة في هذا النوع من الاعتقال لضابط المخابرات وليس القاضي.
إن جهاز المخابرات الإسرائيلية يأخذ القانون بيده ويقوم الجهاز القضائي بدور المنفذ للسياسات الأمنية ويحاول أن يضفي الطابع “القانوني” على الاعتقال الإداري، أي أن الجهاز القضائي لا يتسم بالموضوعية والاستقلالية، ويبقى إلى حد كبير متأثراً بالسياسات الأمنية، وعرضة لتدخل الأجهزة الأمنية بذريعة أن المصلحة العليا الإسرائيلية تستوجب تطبيق الاعتقال الإداري، رغم تعارضه مع مبادئ القانون الدولي الإنساني واتفاقية جنيف الرابعة وحقوق الإنسان.
ويشكل الاعتقال الإداري أحد أشكال العقاب الجماعي التي يرفضها القانون الدولي، فهو إجراء مرتبط بالوضع السياسي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وهو عقاب وأجراء سياسي يعبر عن سياسة حكومية رسمية لدولة الاحتلال.
والمخيف في الاعتقال الإداري والذي يزيد من المعاناة أن الأسير وعائلته لا يعرف تاريخ الإفراج، فيظل تحت ضغط نفسي طوال فترة الاعتقال، حيث يصدر أمر تجديد المعتقل الإداري قبل أيام من موعد الإفراج عنه أو في ذات اليوم المقرر فيه الإفراج عنه.
وفي حالات أخرى يتم الإفراج عن المعتقل الإداري ثم تعاود سلطات الاحتلال اعتقاله من على بوابة السجن، كما وثقت المؤسسات الحقوقية مئات الحالات لمعتقلين جرى تحويلهم إلى الاعتقال الإداري بعد انتهاء فترة اعتقالهم وانقضاء حكمهم.

الاعتقال الإداري في أرقام
وبحسب مؤسسات حقوقية رسمية، فإن سلطات الاحتلال أصدرت بحق الفلسطينيين منذ العام 1967 أكثر من 50 ألف قرار اعتقال إداري، ما بين قرار جديد وتجديد اعتقال؛ ووصل أعلى رقم للأسرى الإداريين في العام 1989 (في أوج الانتفاضة الفلسطينية الأولى) إلى 1794 أسيراً.
وتصاعدت هذه القرارات منذ اندلاع “انتفاضة الأقصى”؛ إذ أصدرت سلطات الاحتلال نحو 27 ألف قرار اعتقال إداري منذ أيلول/ سبتمبر عام 2000 وحتى حزيران/ يونيو 2017.
وفي السنوات اللاحقة، جاء عدد أوامر الاعتقال الإداري على النحو الآتي: عام 2018 بلغ العدد 912، عام 2019 بلغ العدد 1035، عام 2020 بلغ العدد 114، عام 2021 بلغ العدد 1595، عام 2022 بلغ العدد 2349.
اما التحول الأبرز في قضية الاعتقال الإداري برزت بشكل واضح وكبير وضخم جداً منذ بداية العدوان الإسرائيلي والحرب على قطاع غزة في 7 تشرين الأول/ أكتوبر من العام 2023، حيث تشير التقديرات الحقوقية لصدور أكثر من عشرة آلاف أمر اعتقال إداري منذ بداية الحرب، فيما بلغ عدد الاسرى الإداريين حتى نيسان/ ابريل الجاري حوالي 3500 أسير كما أشارنا سابقاً.
الاعتقال الإداري.. سقف جديد مرتفع
يقول المحامي في مؤسسة الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسان مازن أبو عون في إفادة أدلى لها لـ “الاتحاد من أجل العدالة“:” الاعتقالات الإدارية بعد 7 أكتوبر قفزت لأرقام غير مسبوقة، والأمر من ذلك أن هناك العديد من الأسرى الذين تم إصدار أحكام بحقهم بموجب لوائح اتهام تم تحويلهم إلى الاعتقال الإداري”.
ويضيف:”أوضاع الأسرى الإداريين لا تختلف عن أواضع بقية الأسرى السيئة والمريرة، يضاف لها ضغط نفسي كبير بسبب عدم وجود تاريخ محدد للإفراج”.
مشيراً إلى أن بعض المعتقلين الإداريين الذين يلتقي بهم خلال جلسات المحاكم أكدوا له أنهم لم يغيروا ملابسهم منذ أكثر من 12 شهراً، وأن الطعام الذي يقدم لهم هو بالقدر الذي يبقيهم على قيد الحياة فقط”.
ويكمل:”قبل 7 أكتوبر، كان هناك عرف سائد في المحاكم الإسرائيلية وهو أن المعتقل لا يمكث أكثر من سنتين في الاعتقال الإداري، هذا الأمر لم يعد موجوداً اليوم، كما أن هذا النوع من الاعتقال أصبح يتم اعلى أتفه الأسباب، فقد يكون بسبب تعليق من عدة كلمات على مواقع التواصل الاجتماعي، والتهمة جاهزة هي التحريض”.
“يضاف لذلك (حسب أبو عون) فقدت محكمة العدل العليا الإسرائيلية دورها والذي كان محدوداً بالأصل قبل 7 أكتوبر، ولم تعد القرارات التي تصدر عنها ملزمة للنيابة العسكرية”.
ويؤكد أبو عون على أن الاعتقال الإداري هو أحد أشكال الاعتقال التعسفي غير المبني على الأدلة، ويتناقض مع مبادئ العدالة العامة والقاعدة الأساسية التي تنص على “أن المتهم بريئ حتى تثبت إدانته” و”لا عقوبة الا بنص وبينة”.
مشيراً الى أن الحكومة اليمنية المتطرفة التي تحكم إسرائيل اليوم ووجود وزير الأمن القومي “إيتمار بن غفير” الذي يتباها بما يفعله بالأسرى وينشر مقاطع مصورة وهو من داخل السجون، ضاعف من معاناة الأسرى بشكل لافت، وساهم في زيادة أعداد المعتقلين بشكل عام والإداريين بشكل خاص”.
الاعتقال الإداري لأسباب سياسية
من ناحيته، يقول أحد الأسرى الإداريين الذي أُطلق سراحهم مؤخراً بعد اعتقال إداري استمر حوالي عامين في إفادة أدلى لها لـ “الاتحاد من أجل العدالة“:” وتيرة الاعتقال الإداري زادت بشكل مهول بعد 7 أكتوبر، وذلك لأسباب سياسية بالمقاوم الأول ثم أمنية، والاحتلال يلجأ إلى هذا النوع من الاعتقال بعد أن تفشل النيابة العسكرية وجهاز المخابرات في عمل لائحة اتهام، وحفاظاً على مصدر المعلومات”.
ويلفت الأسير (فضل عدم الكشف عن هويته) إلى ان دور المحامي في الاعتقال الاداري “بروتوكولي” فقط ومن أجل ترتيب إجراءات المحكمة وشكلها القائم على وجود 4 أطراف: القاضي والنيابة العسكرية والمتهم إضافة للمحامي”.
مشدداً “على أن الدور الذي يلعبه المحامي شكلي ليس أكثر، فهو لا يقدر على تفنيد التهم ولا استجواب المخابرات ولا الاطلاع على الملف السري”.
ويتابع:” أما التطور الأخير في السجون فهو أن جهاز المخابرات الإسرائيلي يفضل تحويل الكثير من الأسرى إلى الاعتقال الإداري رغم وجود اعترافات واضحة سواء من طرفهم أو من معتقلين آخرين، وبإمكان النيابة تقديم لوائح اتهام بحقهم”.
مرجحاً (وحسب ما يتناقله الأسرى) أن ذلك قد يكون خطوة استباقية من طرف المخابرات التي تعتقد أن صفقات التبادل مع المقاومة في غزة أمر لا مفر منه، وأن من بنود هذه الصفقة عدم إعادة اعتقال الأسير على ذات التهمة التي حُكم عليها سابقاً.
لافتاً إلى أن ذلك هو أحد أشكال التحايل التي قد تلجأ لها المخابرات مستقبلاً عندما تريد إعادة اعتقال الأسرى المفرج عنهم في صفقات التبادل.
انتهى