شهادة خلف القضبان: حكاية الأسير إبراهيم القاضي والموقف القانوني من جريمة الإهمال الطبي

شهادة خلف القضبان: حكاية الأسير إبراهيم القاضي والموقف القانوني من جريمة الإهمال الطبي

6/7/2026- مؤسسة الاتحاد من أجل العدالة

تختزل الحكاية الإنسانية والقانونية للأسرى فصولاً مأساوية من واقع الحركة الأسيرة، ولعل أبرزها ما يواجهه الأسرى المرضى من سياسات ممنهجة تهدف إلى النيل من حياتهم وأجسادهم، حيث تحولت أجسادهم إلى شاهد حي على الجريمة الطبية والقانونية المرتكبة خلف القضبان. ولم تكن حكاية الشاب الخليلي، الأسير المحرر إبراهيم جعفر القاضي، مجرد عارض صحي ألمّ بجسد شاب في مقتبل العمر، بل هي نموذج صارخ لسياسة “الإهمال الطبي المتعمد” والموت الصامت في الزنازين. عندما وقف إبراهيم أمام مرآته بعد رحلة مريرة استمرت قرابة 22 شهراً من الاعتقال، لم يتعرف على ملامحه التي غيّرها المرض والإنهاك؛ إذ سلبته الزنازين عشرات الكيلوغرامات من وزنه، وتحولت صورته من شاب ممتلئ بالحياة والصحة إلى جسد نحيل أنهكه الكيماوي والقيود وظلمة السجن. إن هذه الحكاية ليست استثناءً عابراً، بل هي المرآة العاكسة لواقع يعيشه عشرات الأسرى المصابين بالأمراض المزمنة والسرطانات داخل السجون وسط ظروف احتجاز قاسية للغاية.

بدأت فصول المعاناة القانونية والإنسانية للأسير إبراهيم القاضي وهو في الثانية والعشرين من عمره، منذ اللحظات الأولى لاعتقاله؛ حيث تعرض للضرب المبرح والتنكيل والتعذيب الجسدي والنفسي في مراكز التحقيق قبل نقله إلى السجون. ولم تكن تلك إلا البداية لرحلة من الانهيار الجسدي التدريجي نتيجة لظروف الاحتجاز غير الصحية، حيث بدأت الأوجاع تتزايد في جسده يوماً بعد يوم، وظهر خلال فترة احتجازه ورم واضح ومقلق في منطقة الرقبة. وبالرغم من الشكاوى الطبية المتكررة والاستغاثات التي قدمها الأسير، لم تتلقَ هذه المطالب أي استجابة حقيقية أو جدية من قِبل إدارة السجون، وتم الاكتفاء بتقديم مسكنات الآلام البسيطة والادعاء الواهم بأنها مجرد “دهنيات أو غدد بسيطة”، في تشخيص بدائي مضلل يعكس استهتاراً تاماً بالحقوق الإنسانية الأساسية.

إن المماطلة في إجراء الفحوصات المخبرية والإشعاعية المتخصصة للأسرى تُعد ركناً أساسياً من أركان جريمة الإهمال الطبي، فبينما كان إبراهيم ينتظر تفسيراً علمياً وعلاجياً لأوجاعه المتفاقمة، كان مرض السرطان ينمو ويتفشى داخل جسده خفية وبسرعة. ومع مرور الوقت، تضخمت الغدد بشكل خطير وباتت تضغط بشكل مباشر على رئتيه مسببة له صعوبات حادة في التنفس والوظائف الحيوية، ولم يتبين أنه مصاب بالسرطان ويحتاج إلى علاج عاجل إلا بعد فوات الأوان وتأخر التشخيص لشهور طويلة. وعندما بدأت رحلة العلاج الكيماوي القاسية، لم تشفع له حالته الصحية الحرجة ولا وهن جسده من التحرر من الأصفاد؛ بل كان يتلقى جرعات الكيماوي في المستشفى وهو مكبل اليدين والقدمين بسرير المشافي، ويحتاج إلى استصدار إذن أمني مسبق ومعقد لمجرد الذهاب إلى الحمام أو القيام بأي حركة يسيرة، ليعيش مواجهة مزدوجة بين آلام المرض وشراسة الاعتقال والقيود في آن واحد.

إن حكاية إبراهيم القاضي، وإن انتهت بالإفراج عنه بعد 22 شهراً من الاعتقال والإنهاك ونقله إلى المستشفى لاستكمال العلاج بجسد عليل يحمل آثار التجربة القاسية، إلا أنها تفتح الملف على مصراعيه لملف مئات الأسرى الذين لا يزالون يقبعون خلف القضبان تحت وطأة المصير ذاته. وتشير المعطيات والإحصاءات الحقوقية الموثقة إلى وجود ما لا يقل عن 26 أسيراً فلسطينياً يعانون من مرض السرطان والأورام بدرجات متفاوتة داخل السجون. يواجه هؤلاء الأسرى ظروف احتجاز قاسية للغاية ونقصاً حاداً وفادحاً في الرعاية الطبية والأدوية النوعية والجرعات العلاجية المنتظمة. ويعيش هؤلاء الأسرى معركة يومية مريرة ومستمرة؛ فهم يقفون حائرين بين جلسات العلاج والزنازين والقيود، وتحول حقهم الطبيعي والإنساني في العلاج والطبابة إلى معركة صعبة يخوضونها يومياً ضد تعنت إدارة السجون، فيما يتحول العلاج الذي يفترض أن يكون حقاً إنسانياً إلى مواجهة أخرى يخوضونها خلف القضبان للحفاظ على حيواتهم.

وفي ختام هذا السرد المؤلم، تؤكد مؤسسة الاتحاد من أجل العدالة أن الأسرى والمعتقلين في السجون ليسوا محرومين من الحقوق، بل هم فئة محمية بالكامل بموجب قواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، ولهم حقوق قانونية ثابتة لا يجوز الانتقاص منها. ومن منظور قانوني وحقوقي رصين، توضح المؤسسة أن اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، وتحديداً في موادها (81) و(91) و(92)، قد فرضت التزاماً قانونياً صارماً ومباشراً على القوة الحاجزة يجب عليها تقديم الرعاية الطبية المجانية الكاملة لجميع المحتجزين، وتوفير العيادات والمستشفيات المتخصصة لعلاج الأمراض المستعصية والمزمنة كالسرطان، مع إجراء فحوصات دورية شهرية لمراقبة الحالات الصحية. كما تنص القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء (قواعد مانديلا)، لا سيما القاعدة (24)، على أن تقديم الرعاية الصحية للسجناء هو مسؤولية كاملة تقع على عاتق الدولة، ويجب أن يتمتعوا بنفس المعايير الصحية المتاحة في المجتمع الخارجي دون أي تفرقة أو قيود معينة كالتكبيل أثناء العلاج. وبناءً على ذلك، تشير المؤسسة إلى أن سياسة الإهمال الطبي المتعمد وتأخير التشخيص والمماطلة في تقديم الجرعات العلاجية للأسرى المرضى لا يمكن تصنيفها تقصير إداري، بل هي انتهاكات جسيمة ترقى إلى مستوى “القتل العمد غير المباشر” و”الجرائم الطبية الممنهجة”، وهي مخالفات صريحة تقع في إطار جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. وبناءً على هذه المرجعيات القانونية الدولية، تطلق مؤسسة الاتحاد من اجل العداله الأسرى نداءً عاجلاً وتشدد على ضرورة وأهمية أن يتحرك المجتمع الدولي والمؤسسات الحقوقية والأممية فوراً وبأسرع وقت ممكن للحقاق الأسرى المرضى وإنقاذ حياتهم قبل فوات الأوان، والضغط بكل الوسائل القانونية والدبلوماسية لتشكيل لجان طبية دولية مستقلة تضمن الإفراج الفوري عن المصابين بالسرطان والأمراض المزمنة، ووقف نزيف الأرواح المستمر خلف قضبان الزنازين.

انتهى

Skip to content